... وقارن بين هذا وقول أبي عمرو ابن الصلاح رحمه الله: «لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عُرف بذلك لم يَجُز أن يُستفتى، وذلك قد يكون بأن لا يتثبت ويسرع بالفتوى، قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة، والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل، ولئن يبطىء ولا يخطىء أكمل به من أن يعجل فيَضل ويُضل» (1) .
وأحب أن أنبه إلى أمور:
الأمر الأول: ينبغي على طالب العلم أن يدرك مكانته، ويتحمل مسؤوليته، ويراقب الله تعالى، ويتجرد للحق والصواب، وهو ما كان على وفق الدليل من الكتاب والسنة، ولا يتبع أهواء العامة، ويجري وراء إرضائهم بالتساهل والتيسير، فإن هذا من اتباع الهوى المضل عن الحق؛ يقول تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية: 18] ، ويقول تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل إليك) [المائدة: 49] .
قال أبو عبدالله ابن القيم: «قد تكرر لكثير من أهل الإفتاء الإمساك عما يفتون به مما يعلمون أنه الحق إذا خالف غرض السائل ولم يوافقه، وكثير منهم يسأله عن غرضه، فإن صادفه عنده كتب له، وإلا دلّه على مفتٍ أو مذهبٍ يكون غرضه عنده، وهذا غيرُ جائزٍ على الإطلاق... فإن عرفه المفتي أفتاه به سواءً وافق غرضه أو خالفه» (2) .
(1) أدب المفتي والمستفتي (ص111) .
(2) إعلام الموقعين (4/224) ط.منيرية.