قال أبو إسحاق الشاطبي عن هذه الشريعة المحمدية: «إنما أتى فيها السماح مقيدًا بما هو جارٍ على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها.. ثم نقول: تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى» (1) .
... وما نتج هذا إلا من التجرؤ على مقام ميراث الأنبياء: الاجتهاد والإفتاء، والتوقيع عن رب الأرض والسماء، ولا شك أن الاجتهاد فريضة وضرورة إذا كان صادرًا من أهله.
ولذا اشترط بعض العلماء في المفتي ألا يكون متساهلًا؛ قال أبو المظفر السمعاني: « المفتي من استكمل فيه ثلاثة شرائط:
الاجتهاد.
والعدالة.
والكف عن الترخيص والتساهل.
وللمتساهل حالتان:
إحداهما: أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام ويأخذ ببادئ النظر وأوائل الفكر وهذا مقصر في حق الاجتهاد ولا يحل له أن يفتي، ولا يجوز أن يستفتى.
والثانية: أن يتساهل في طلب الرخص وتأوّل السنة فهذا متجوّز في دينه وهو آثَمُ من الأول» (2) .
فأين هذا من فعل بعض المعاصرين اليوم من الدعوة إلى التيسير، وهم في الحقيقة يعنون بذلك التساهل.
... وقد يكون منشأ هذا: التسرع في الفتوى، وعدم استكمال النظر في أدلة المسائل، كما يجري اليوم من انتشار برامج (الفتوى) المباشرة في الإذاعات والقنوات، وما يحصل في بعضها من استعجالٍ غير محمود، حتى وصل الأمر إلى الفتيا في وقائع قضائية تحتاج إلى سماع كلا الطرفين، كالطلاق مثلًا؛ فتجد أحدهم يكتفي بالسماع من طرفٍ دون الآخر، ويفتي في الحال!، حتى إن المذيع أحيانًا لا يمكّن السائل من التفصيل في مسألته، ولا يتمكن المفتي من الاستفصال من السائل، وذلك بحجة كثرة المتصلين وضيق وقت البرنامج.
(1) الموافقات (4/145) ط.دراز.
(2) نقله في صفة الفتوى لابن حمدان (ص22) .