الصفحة 27 من 117

وينبغي أن يُعرف أن كثيرًا من الأمور يفعل فيها كثير من الناس خلاف الأمر الشرعي، ويشتهر ذلك بينهم، ويقتدي كثير من الناس بهم في فعلهم، والذي يتعيّن على العارف مخالفتهم في ذلك قولًا وفعلًا، ولا يثبطه عن ذلك وحدته وقلة الرفيق.

وقد قال النووي: ولا يغتر الإنسان بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممن لا يراعي هذه الآداب، وامتثِل ما قاله الفضيل بن عياض: لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون: من صدر اعتقاده عن برهان لم يبق عنده تلوّن يراعي به أحوال الرجال، (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) .

وكان الصديق - رضي الله عنه - ممن يثبت على اختلاف الأحوال، فلم تتقلب به الأحوال في كل مقام زلت به الأقدام". اهـ (1) ."

وهذا منحىً خطير، ومنهج ضعيف، مبني على أصل مغلوط، إذ يصير بهذا التوسع سيالًا لا ينضبط، مؤدٍّ إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها لا تخلو من مشقة، وإن كانت محتملة، ولذلك سميت تكليفًا؛ من الكلفة: وهي المشقة، فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي التخفيف بهذا، لزم ذلك في الطهارات والصلوات والزكوات والحج والجهاد وغير ذلك، ولا يقف عند ذلك حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف! (2) .

فهو يقوم على تطويع الدين للواقع والرغبات والأهواء، والواجب تطويع الواقع للدين، بل قد جاءت الشريعة بمخالفة الهوى، وحذر الشارع الحكيم في غير ما موضع من اتباع الهوى، بل جعل اتخاذ الهوى شركًا، يقول تعالى: (أفرأيت من اتخذ إله هواه) [الجاثية: 23] .

(1) ينظر: الآداب الشرعية (1/280-281) بتصرف.

(2) ينظر: الموافقات للشاطبي (4/147-149) ط.دراز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت