وأما التصوير فقد تكلم عليه أهل العلم، وألفت فيه رسائل خاصة، وفيه نحوًا من ثلاثين حديثًا بالمنع من تصوير ذوات الأرواح، وقد تكلمت عنه بتفصيلٍ في موطن آخر، بما يغني عن إعادته هنا.
والذي أريد أن أتساءل عنه: أنه قبل عشرين سنة لم نكن نسمع من يهوّن أمر التصوير، فضلًا عن أن يجيزه، أو يتوسع فيه توسعًا غير مقبول كما هو حاصلٌ الآن، فهل هذا راجع إلى تغيّر اجتهاد؟ أم هو استسلام لضغط الواقع؟!. والله المستعان.
وعودًا على ما تقدم (1) ، فإن من أهم الأسباب التي جعلت البعض يترخص في مثل هذه المسائل هو:
انتشار مثل هذه المنكرات بين عموم الناس، مع ضغط جماهير العوام عليهم، ولا أدل على هذا من قصة عن بعض أهل العلم حين قال عن حلق اللحية:
"ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية، حتى إن كثيرًا من أهل الديانة قلّد فيه غيره خوفًا من ضحك العامة منه، لاعتبارهم حلقها في عرفهم، فبحثتُ غاية البحث عن أصل أخرّج عليه جواز حلقها؛ حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق..."الخ ما قاله (2) .
فانظر كيف اعتقد ثم استدل، وبذا تعرف خطورة مثل هذا المسلك: (التقرير ثم الاستدلال) ، الذي يجبر المرء على دخول باب التأويل، واجترار النصوص، ودلالاتها تأبى الانقياد، حتى يصل به الأمر إلى تأويلٍ بعيدٍ تنبو عن قبوله الأفهام ، وكل ذلك إما إرضاءً لأشخاص، أو مجاراةً لواقعٍ وحال.
وقد عقد أبو محمد ابن مفلح في كتابه الآداب الشرعية، فصلًا نفيسًا في هذا أنقله على طوله:
"فصلٌ: ينبغي الإنكار على الفعل غير المشروع وإن كثُر فاعلوه:"
(1) ص (8) .
(2) ينظر: منهج التيسير المعاصر (ص 64) ، الدعوة إلى الله لتقي الدين الهلالي (ص162) .