وفي هذا الحكمة البالغة، والمصلحة التامة، من صيانة المرأة والحفاظ عليها، وفيه الحفاظ على الرجال من الوقوع في الفتنة، وهذا بدوره يؤدي إلى حفظ المجتمع وصيانته، فعلى المرأة التزام هذا والعمل به، وعلى وليها أمرها بذلك.
ثم أين هؤلاء الذين يفتون بجواز كشف الوجه في هذا الوقت، من النظر في الواقع، والتأمل في تصرفات النساء اليوم من كشفهن لوجههنّ، وتساهلهنّ بشروط ذلك.
وإذا أخذ العالم والمفتي في اعتباره مواطن الاتفاق التالية:
أن تغطية الوجه هو الأفضل، فهو يدور بين الوجوب والاستحباب.
إذا صاحب كشف الوجه فتنة، فإن كشف الوجه محرم، ومن الفتنة: كون المرأة شابة جميلة.
عند فساد الزمان وكثرة الفساق، حرُم كشف الوجه.
إذا صاحب كشف الوجه: تبرجٌ بزينة؛ حرُم.
لا يجوز إخراج شيء غير حدود الوجه الشرعية، فالشعر والنحر لا يجوز كشفهما بحال.
فقد حكى ابن رسلان: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق. ينظر: نيل الأوطار (6/245) .
أقول: إذا نظر العاقل في مواطن الاتفاق هذه، وتأمل واقع النساء اليوم، علِم -ضرورةً- أن المنع من كشف وجه المرأة في هذا الوقت هو المتعيّن، إذ إن النساء المتقيدات بهذه الشروط: نُدرة، وأحكام الشريعة تناط بالأعم الأغلب، والنادر ينسحب عليه حكم الغالب؛ مما يتعيّن أمرها بتغطية وجهها.
وقريب من هذا ويشبهه ما ذكره أبو العباس ابن تيمية مراعيًا -في الفتيا- واقع الناس وأحوالهم، فقال: «وقد كان الإماء على عهد الصحابة - رضي الله عنهم - يمشين في الطرقات مكشوفات الوجوه، ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب، فلو أراد الرجل أن يترك الإماء التركيات الحسان يمشين بين الناس في هذه البلاد والأوقات لكان من باب الفساد» (1) . اهـ
(1) مختصر الفتاوى المصرية (ص30) ، الفتاوى (15/418؛ 21/250) .