الصفحة 23 من 117

وقال القرطبي في تفسيره (14/227) : «ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة؛ من أن المرأة كلها عورة» .

وإدناء الجلباب في لغة العرب مستخدم عادة في الوجه، يُقال -إذا زلّ الثوب عن وجه المرأة-: أدنِ ثوبكِ على وجهكِ. اهـ من الكشاف (3/569) .

(3) ومما يؤكد عموم الحكم: ما جاء في قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفًا. وقرْن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الأحزاب: 32-33] .

فهل يقول أحد: إن غير نساء النبي يجوز لهن الخضوع بالقول -وغيره مما نهين عنه- رضي الله عنهن؟!

لم يقل بذلك أحدٌ من المسلمين.

ما رواه نافع -مولى ابن عمر- عن صفية بنت أبي عبيد؛ أنها أخبرته عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت، حين ذُكر الإزار: فالمرأة يا رسول الله؟ قال: (تُرخيه شبرًا) . قالت أم سلمة: إذًا ينكشف عنها. قال: (فذراعًا، لا تزيد عليه) . وفي لفظٍ عند أحمد: أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذيول النساء؟ فقال: (شبرًا) ، فقلت: إذًا تخرج أقدامهن يا رسول الله. قال: (فذراعٌ، لا تزدن عليه) .

وهذا حديثٌ صحيح، صححه الترمذي وابن حبان، ووقع في إسناده اختلافٌ لا يضُر (1)

(1) هذا الحديث رواه نافع، ورواه عنه ستة؛ وقد اختلفوا عليه:

أولهم: أيوب بن موسى -وهو ثقة خرج له الجماعة، وقال ابن عبدالبر: وكان حافظًا- عند النسائي (5338) ، والطبراني (13/416-417) ، وأبو يعلى (12/316) ؛ فرواه عنه عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة به.

الثاني: وتابعه ابن إسحاق -وهو صدوق لا بأس به له بعض الوهام، وهو مدلس ولم أقف على تصريح له بالسماع في هذا الخبر- عند النسائي في الكبرى (5/495) ، وأحمد (6/295، 309) ومن طريقه ابن عبدالبر في التمهيد (24/148) ، والدارمي (2644) ، والبيهقي في الكبرى (2/233) ، والطبراني (23/358) .

الثالث: أبو بكر بن نافع -وهو صدوق- عن أبيه فأرسله (وسيأتي تفصيل روايته) .

الرابع: عبيد الله بن عمر -وهو ثقة حافظ- فوصله؛ عند أحمد (6/293، 315) ، وأبي داود (4118) ، والنسائي (5339) ، وابن ماجه (3580) ، وابن أبي شيبة (12/519) ، والطبراني (23/384) ، والبيهقي في الشعب (6142) ؛ ولكنه خالفهم في شيخ نافع، فقال: عنه عن سليمان بن يسار عن أم سلمة به.

وهذا الاختلاف لا يضر؛ لأن الإسناد أينما دار فإنما يدور على ثقة؛ لأن سليمان بن يسار وصفية بنت أبي عبيد كلاهما من الثقات. ويحتمل أن نافعًا رواه عن كليهما؛ لأن كلا الوجهين ثابت عن نافع. وأما من حيث الترجيح فرواية الجماعة أولى.

الخامس: يحيى بن أبي كثير -وهو ثقة مشهور- فوصله بذكر أم سلمة ولكنه منقطع حيث أسقط الواسطة بينها وبين نافع، عند النسائي (5337) ؛ فقال: عن نافع عن أم سلمة. ورواية الجماعة أولى؛ لأنهم أكثر، وقد زادوا، والزيادة منهم مقبولة؛ لاجتماعهم.

السادس: محمد بن عجلان -وهو صدوق له أوهام- فرواه عنه عن عبد الله بن عمر أن أم سلمة فذكره. عند ابن عبدالبر في التمهيد (24/148) من طريق: ابن لهيعة. وهذا خطأ كما أشار له ابن عبدالبر؛ لأمور:

1)أن الراوي عنه ابن لهيعة وهو لا يحتج.

2)أنه مخالف لكل الروايات المتقدمة.

3)أنه سلك الجادة في حديث نافع، وهم قد خالفوها، فيقدمون عليه؛ لأن معهم زيادة ضبط.

تنبيه: تقدم أن أبا بكر بن نافع رواه عن أبيه عن صفية مرسلًا؛ ورواية الوصل أرجح؛ لأن أيوب بن موسى أوثق من أبي بكر بن نافع، وقد وصله، وتابعه على ذلك محمد بن إسحاق، فيزداد الوصل قوة.

وتابعهما عبيدالله بن عمر على وصله بذكر أم سلمة في الإسناد، وإن كان خالفهما في شيخ نافع وقد تقدم الكلام على ذلك، ويمكن أن نعتبر رواية يحيى بن أبي كثير مُعضدة لروايتهم؛ لأنه اتفق معهم على ذكر أم سلمة في الإسناد، وإن كان خالفهما من وجهٍ آخر بإسقاط شيخ نافع.

فتبين مما تقدم أن هذا الحديث صحيح وقد صححه كبار الحفاظ كأبي عيسى الترمذي (1734) وأبي حاتم ابن حبان.

تنبيه آخر: الراوي عن أبي بكر بن نافع في هذا الحديث هو مالك، وقد اختلف عليه:

فوصله: يحيى الليثي (في الموطأ بروايته: 2658) عن مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن صفية عن أم سلمة به؛ موصولًا.

وخالفه الجماعة: عبدالله القعنبي (ومن طريقه أبو داود في سننه: 4117، والجوهري في مسند الموطأ: 843، والبيهقي في الشعب: 6143 ) ، وأبو مصعب الزهري (في الموطأ بروايته: 1917؛ ومن طريقه: ابن حبان: 12/265، والبغوي في شرح السنة: 12/13) ، وسويد بن سعيد (في الموطأ بروايته: 691) ، ويحيى بن بكير، وعبدالأعلى بن حماد (ومن طريقهما ابن عدي في الكامل 7/298) ؛ خمستهم رووه عن: مالك عن أبي بكر بن نافع عن أبيه عن صفية بنت أبي عبيد أن أم سلمة.. به، مرسلًا.

والصواب عن مالك الإرسال؛ لاجتماع هؤلاء الخمسة على ذلك، وفيهم ثقةٌ حافظٌ مقدمٌ في مالك: كالقعنبي، وأبي مصعب.

على أن صفية بنت أبي عبيد تابعية كبيرة، وقيل: إنها صحابية؛ والصحيح الأول.

وقد وقع خلافٌ: هل أدركت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم لا؟ ذهب ابن منده إلى الأول، وذهب الدارقطني إلى الثاني.

وإدراكها لعهد النبوة مُحتملٌ احتمالًا كبيرًا، ويؤيد ذلك: ما رواه الواقدي عن موسى بن ضمرة بن سعيد المازني عن أبيه أنها تزوجت عبد الله بن عمر في خلافة أبيه عمر. (ينظر: تهذيب ابن حجر 4/679 ط.الرسالة) . وهذا يرجّح كلام ابن منده -المتقدم- حيث يغلب على الظن أنها حين تزوجت ابن عمر، كان عمرها نحو 15 سنة أقل أو أكثر بقليل، وخلافة الصديق سنتين وأشهر، وخلافة عمر عشر سنوات، فإدراكها لعهد النبوة متّجه. والله أعلم.

ونخلص من هذا إلى قوّة هذا المرسل، وأنها أخذته من أم سلمة رضي الله عنها.

ويؤيد هذا: ما تقدم من رواية محمد بن إسحاق، وأيوب بن موسى؛ كلاهما عن نافع عن صفية عن أم سلمة موصولًا.

تنبيه أخير: روى النسائي في الكبرى (5/496) عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن عبيد الله عن نافع عن سليمان بن يسار أن أم سلمة؛ مرسلًا. والصواب الوصل، فقد رواه جمعٌ عن عبيدالله موصولًا كما تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت