قال: فقلنا: يا رسول الله، إن أهل الكتاب يقصّون عثانينهم ويوفّرون سبالهم، قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (قصّوا سبالكم، ووفّروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب) (1)
(1) أخرجه أحمد (5/264) ، والطبراني في الكبير (8/236) ، والبيهقي في شعب الإيمان (6405) ؛ جميعهم من طريق: زيد بن يحيى عن عبد الله بن العلاء بن زبر عن القاسم بن عبدالرحمن عن أبي أمامة به. تنبيه: في مطبوعة الشعب: (زيد بن عبيد) . وهو: زيد بن يحيى بن عبيد، نُسب لجده.
ورمز له في كنز العمال لسعيد بن منصور، وأبي نعيم في الحلية، ويظهر أن نسبته لأبي نعيم وهم، وأما سنن سعيد فنصفها مفقود أو نحو ذلك.
ورواه حرب (كما في شرح العمدة لابن تيمية ص316- قسم الصلاة) .
قال أبو حاتم الرازي (علل ابن أبي حاتم: 2208) : «سألت شعيب بن شعيب -وكان ختن زيد بن يحيى على ابنته-، فسألته أن يُخرج إليّ كتاب عبدالله بن العلاء، فأخرج إليّ الكتاب، فطلبتُ هذا الحديث، وحديثًا آخر -عن أبي عبيدالله مُسلم بن مِشْكَم، عن أبي ثعلبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم: أنه سأله عن الإثم والبر-، فلم أجد لهما أصلًا في كتابه، وليسَ هما بمُنكرين، يحتمل» .
وسكت عليه ابن تيمية في شرح العمدة، ولم أقف عليه في (اقتضاء الصراط المستقيم) وهو على شرطه.
وسكت عليه ابن القيم في إعلام الموقعين (4/272) ط.منيرية.
وقال فيه ابن مُفلح في الفروع (2/80) ط.الرسالة: «حديثٌ جيد، والقاسم وثقه الأكثر، وحديثه حسن، وقول ابن حزم وابن الجوزي: «ضعيفٌ بمرة» . فيه نظرٌ». وقريب منه قوله في الآداب الشرعية (3/495) .
وحسنه ابن حجر في الفتح (10/354) ، وتبعه في عمدة القاري (22/50) ، وعون المعبود (11/178) .
وقال أبو علي الشوكاني في نيل الأوطار (2/102) : «أما حديث أبي أمامة فلم أقف فيه على كلامٍ لأحد؛ إلا ما ذكره في مجمع الزوائد» .
والذي في مجمع الزوائد (5/131) قوله: «رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح؛ خلا القاسم وهو ثقةٌ، وفيه كلام لا يضر» .
وقال في السيل الجرار (1/165) : «رجاله ثقات» . وذكره بعض فقهاء الحنابلة مستدلين به في كتبهم: كشرح المنتهى، وكشاف القناع، ومطالب أولي النهى.
والعثانين جمع عثنون وهي: اللحية. ينظر: النهاية لابن الأثير.
والكلام على هذا الحديث يطول، ولكن لعلي أُملي ما تيسّر من الكلام في الحكم على هذا الحديث، فأقول وبالله التوفيق:
هذا الحديث محفوظ ثابت، والكلام عليه من جهتين: من جهة الإسناد والمتن.
الجهة الأولى: فأما من جهة الإسناد:
هذا الإسناد حسن قوي، ورجاله كلهم ثقات.
فأما زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، أبو عبدالله الدمشقي: ثقةٌ بالاتفاق، وثقه أحمد وغيره.
وقال أبو علي النيسابوري: «ثقة مأمون» .
وقد كان فقيهًا، قال أبو زرعة: «كان من أهل الفتوى» .
وقال ابن معين: «كتبت عنه، وكان صاحب رأي» . والله أعلم.
وأما عبدالله بن العلاء بن زبر الربعي، أبو زبر، ويقال: أبو عبدالرحمن الدمشقي، من كبار أتباع التابعين أو من أواسطهم، فقد روى عن الطبقة الوسطى من التابعين: وثّقه الجمهور، منهم:
ابن معين -في أكثر من رواية-، ودحيم، وأبو داود، ومعاوية بن صالح، وهشام بن عمار، ويعقوب بن سفيان، والدارقطني -وزاد: «يُجمع حديثه» -، والعجلي، وابن سعد -وقال: «ثقة إن شاء الله» -.
وقال عمرو بن علي: «حديث الشاميين كله ضعيف، إلا نفرًا؛ منهم: عبدالله بن العلاء» .
وقال أحمد: «مُقارب الحديث» .
وقال النسائي: «ليس به بأس» .
وكذا قال ابن معين -في رواية محمد بن عوف-.
وقال الدارمي: «سألت عبدالرحمن -يعني: دُحيمًا- عنه فوثقه جدًا» .
وذكره ابن حبان في الثقات.
ومعنى قول أحمد -فيما يظهر-: أي مُقاربٌ لحديث الثقات؛ بدليل توثيق الجمهور له.
وأما قول ابن معين، فيُحمل على التوثيق؛ بدليل الروايات الأخرى عنه.
وكذا الحال بالنسبة لقول النسائي، فهو يصنع ذلك كثيرًا.
وأما ما جاء عن أبي حاتم الرازي قوله: «يُكتب حديثه» . وفي رواية: «هو أحب إليّ من أبي معين حفص بن غيلان» .
فالجواب: أن هذا من تشدده رحمه الله، وهو معروفٌ بذلك، وقد قال عن حفص بن غيلان: «يُكتب حديثه، ولا يحتج به» .
وأما قول أبي محمد ابن حزم: «ليس بالمشهور» .
فالجواب: أن هذا بسبب عدم وقوفه على كلامٍ للحفاظ فيه، فيظهر أنه لم يعرفه لذلك، وقد جهّل -رحمه الله- جمعًا من الثقات كما هو مشهور.
ونقل الذهبي في الميزان عن ابن حزم أن ابن معين ضعّفه!.
وهذا فيما يبدو وهم، فالصحيح الثابت عن ابن معين توثيقه -كما تقدم-، قال العراقي: لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث.
وكان عبدالله بن العلاء من أشراف الناس، قال دُحيم: «كان من أشراف البلد» .
وأما القاسم بن عبدالرحمن فمن فضلاء التابعين.
قال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلًا.
وروى البخاري في التاريخ الكبير (7/159) بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: ما رأيت أحدًا أفضل من القاسم أبي عبد الرحمن؛ كنا بالقسطنطينية وكان الناس يرزقون رغيفين في كل يوم فكان يتصدق برغيف ويصوم ويفطر على رغيف.
ولكن الخلاف في ضبطه؛ فوثقه جمعٌ من الأئمة، وتكلم فيه آخرون.
فأما الذين وثقوه أو قوّوه؛ فمنهم: ابن معين، والبخاري، والترمذي، ويعقوب بن شيبة، ويعقوب بن سفيان، وأبو إسحاق الحربي.
وتكلم فيه الإمام أحمد -وسيأتي كلامه-، والعجلي حيث قال: «ثقة يكتب حديثه وليس بالقوي» . والغلابي فقال: «منكر الحديث» . والعقيلي ذكره في الضعفاء، وذكر له حديثًا. وابن حبان فقال: «ضعيف في الحديث جدًا» ، وقال: «يروي عن الصحابة المعضلات، ويأتي عن الثقات بالأشياء المقلوبات، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها» .
وسبب الخلاف والله تعالى أعلم: أن القاسم جاءت عنه أحاديث منكرة.
فاختلف الحفاظ: هل الحمل فيها عليه؟ أم على الرواة عنه؟ قولان:
القول الأول: أن الحمل عليه.
وذهب إليه الإمام أحمد حيث قال: «قال بعض الناس هذه الأحاديث المناكير التي يرويها عنه جعفر بن زبير، وبشر بن نمير، ومُطرّح» . (تبيه: مطرح لا يروي عن القاسم، وإنما عن علي بن يزيد عن القاسم) .
وقال أحمد: «علي بن يزيد من أهل دمشق، حدّث عنه مُطّرح، ولكن يقولون: هذه من قِبل القاسم، في حديث القاسم مناكير مما يرويها الثقات؛ يقولون من قبل القاسم» .
وقال الأثرم: (سمعت أحمد وذُكر له حديث عن القاسم، فأنكره وحَمَل على القاسم، وقال: «يروي علي بن يزيد عنه أعاجيب، وتكلّم فيها» . وقال: «ما أرى هذا إلا من قِبل القاسم» . قال أحمد: «وإنما ذهبت رواية جعفر بن الزبير؛ لأنه إنما كانت روايته عن القاسم» . قال أحمد: «لما حدّث بشر بن نمير عن القاسم، قال شعبة: ألحقوه به» ) . وقال جعفر بن محمد الحراني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «ما أرى البلاء إلا من القاسم» .
القول الثاني: أن الحمل على الرواة عنه.
وذهب إليه: ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وأبو الحسن الدارقطني.
قال إبراهيم بن الجنيد -عن ابن معين-: «القاسم ثقة، والثقات يروون عنه هذه الأحاديث ولا يرفعونها» . ثم قال: «يجيء من المشايخ الضعفاء ما يدل حديثهم على ضعفهم » . وقال: «إذا روى عنه الثقات أرسلوا ما رفع هؤلاء » .
وقال البخاري: «القاسم ثقة» . ينظر: جامع الترمذي (2731، 3195) .
وقال: «روى عنه: العلاء بن الحارث، وابن جابر، وكثير بن الحارث، ويحيى بن الحارث، وسليمان بن عبد الرحمن؛ أحاديثُ مُقاربة، وأما من يُتكلم فيه مثل: جعفر بن الزبير، وبشر بن نمير، وعلي بن يزيد، وغيرهم؛ ففي حديثهم عنه مناكير واضطراب» .
وقال أبو حاتم: «حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به، وإنما يُنكر عنه الضعفاء» .
وقال الدارقطني في العلل (12/265) : «والقاسم لا بأس به؛ إذا حدّث عنه الثقات، فهي مستقيمة» .
قلت: وأنا أذهب إلى هذا القول؛ لأمرين:
أن القاسم روى عنه طائفتان من الناس: ثقاتٌ، وضعفاء.
فأما أحاديث الثقات عنه فهو مستقيم.
وأما أحاديث الضعفاء: كجعفر بن الزبير فهو: متروك، ومثله: بشر بن نمير، وعلي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف منكر الحديث.
ولا شك أن القاسم أقوى وأجل من جميع هؤلاء، فالعلة منهم لا منه؛ بدليل أن أحاديث الثقات عنه مستقيمة؛ كما تقدم من كلام ابن معين والبخاري وأبي حاتم والدارقطني.
وقد وقفت على جملة من أحاديثه المستقيمة، من رواية الثقات عنه، ينظر: مسند الشاميين للطبراني: (563-565) ، (3124-3129) ، (3447) .
وأما الحديث الذي ذكره العقيلي، فقد رواه من طريق: عمرو بن واقد عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة.
وعمرو بن واقد: متروك، وعلي بن يزيد تقدم؛ فالعلة إذن منهما.
ولذا الأحاديث التي أنكرها الإمام أحمد على القاسم هي من رواية: علي بن يزيد، وجعفر، وبشر بن نمير؛ وهؤلاء كلهم ضعفاء، والحمل عليهم أولى.
ومن الأحاديث التي أُنكرت عليه؛ ما قاله أبو زرعة الدمشقي: «ذكرت لأحمد حديثًا حدثنا به محمد بن المبارك عن يحيى بن حمزة عن عروة بن رويم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قدم علينا سلمان الفارسي دمشق.
فأنكره أحمد؛ وقال لي: كيف يكون له هذا اللقاء وهو مولى خالد بن يزيد بن معاوية؟». وإلى هذا ذهب أبو حاتم الرازي فقال: «الذي عندي أن القاسم لم يدرك سلمان» . المراسيل (ص176) .
والجواب عن هذا: أن أبا زرعة قال: «فأخبرت عبد الرحمن بن إبراهيم بقول أبي عبد الله، فقال لي عبد الرحمن: كان القاسم مولى لجويرية بنت أبي سفيان فورث بنو يزيد بن معاوية ولاءه؛ فلذلك يقال: مولى بني يزيد بن معاوية.
قال أبو زرعة: وهذا أحب القولين إليّ».
فزال الإشكال الذي استشكله الإمام أحمد، وتبيّن مما تقدم أنه قديم، وأنه كان مولى لجويرية، فورثه بنو يزيد بن معاوية، وأهل الشام أعلم به من غيرهم؛ لأنه من بلدهم، ولذا ذهب أبو زرعة إلى ما قاله دحيم، وكلاهما من أهل الشام؛ فاحتمال سماعه من سلمان قوي، فقد قال القاسم: (زارنا سلمان الفارسي...) أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (303) من طريق: عروة بن رويم عن القاسم به. (وينظر في الكلام على الحديث: تعليق المحقق وفقه الله تعالى) .
أن هذا القول فصّل الحكم في حديث القاسم، والمُفصِّل معه مزيد إطلاع وعلم، فيُقدم على القول الآخر الذي فيه إطلاق الحكم بتضعيفه.
ومما يؤيد قوة القاسم بن عبدالرحمن، واستقامة حديثه:
-أن أبا عيسى الترمذي لم يذكر له في العلل الكبير حديثًا استنكر عليه؛ غير حديث واحد -والعلة ليست منه-، فرواه من طريق: معاوية بن صالح عن كثير بن الحارث عن القاسم بن عبد الرحمن عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ فقال: (خدمة عبد في سبيل الله، أو ظل فسطاط، أو طروقة فحل في سبيل الله) . ثم ذكر عن البخاري أن هذا الحديث جاء مرسلًا، وأنه اختلف على القاسم، ولم يتكلم على القاسم بشيء. ينظر: العلل الكبير (ص269) .
-وأما ابن أبي حاتم فذكر له في العلل خمسة أحاديث -غير هذا الحديث- وهي: (601، 1646، 1667، 1682، 1872) .
ولم ينقل عن أبيه أو أبي زرعة في شيء من هذه الأحاديث إلصاق الخطأ بالقاسم.
-وتقدم أن الدارقطني في العلل قوّى حديث القاسم من رواية الثقات عنه، وقال في موضعٍ آخر من العلل (2/114) عن حديث جاء بإسنادين أحدهما من طريق القاسم: ليس به بأس.
وممن صحح للقاسم بن عبدالرحمن:
أبو عيسى الترمذي (428، 1627) .
وخرّج له أحاديث أخرى (1282، 2347، 2685، 2731، 3195) من طريق بعض الضعفاء عنه، وحكم عليها بالضعف، وبين أن العلّة منهم لا من القاسم.
وأخرج له الدارقطني في السنن (1/104) من طريق: جعفر بن الزبير، عنه، عن أبي أمامة. وقال: «جعفر بن الزبير متروك» .
وحديثٌ آخر أخرجه في السنن (4/181) من طريق: معاوية بن يحيى الصدفي، عنه، عن أبي أمامة. وقال: «الصدفي ضعيف» . قلت: ولم يُعلّها بالقاسم.
وممن صحح له: محمد بن يحيى الهمذاني، فقد أخرج له في صحيحه (كما في: نزهة الأسماع في مسألة السماع لابن رجب؛ ص44) من طريق: عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عنه، عن أبي أمامة. وقال: عبيد الله بن زحر قال أبو زرعة: «لا بأس به صدوق» .
وهذا الإسناد ضعيف، بل هو ضعيف جدًا، والشاهد من هذا أن الهمداني صحح للقاسم.
وقد قال ابن رجب عن الهمذاني: «وهو من أصحاب ابن خزيمة، وكان عالمًا بأنواع العلوم، وهو أول من أظهر مذهب الشافعي بهمذان، واجتهد في ذلك بماله ونفسه، وكانت وفاته سنة 347 رحمه الله تعالى » . ينظر: (نزهة الأسماع ص47) .
وممن صحح له: الحاكم؛ ينظر: إتحاف المهرة (6425، 6429) .
وقال ابن حجر في الإتحاف (6426) : لم يتكلم عليه الحاكم، وإسناده ضعيف جدًا؛ من طريق: عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة.
وقال أيضًا (6427) : أخرجه الحاكم من طريق: جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة. وقال: «لم نكتبه إلا بهذا الإسناد، ولم نجد بُدًّا من إخراجه» .
قال ابن حجر: «ما أدري أي شيءٍ أحوجه إلى إخراج رواية الكذابين في الصحيح؛ فجعفر: قد أجمعوا على تضعيفه» .
وحسّن له: ابن القطان الفاسي؛ ينظر: إتحاف المهرة (6437) .
-وينظر الأسانيد الضعيفة التي من رواية الضعفاء عنه؛ ومنهم علي بن يزيد، في:
إتحاف المهرة: (6430، 6440، 6446، 6448، 6449، 6454، 6456، 6458، 6469، 6470) .
وينظر: مسند الشاميين فحديث القاسم هناك كثير؛ منها من رواية الثقات، ومنها من رواية الضعفاء.
ومن الرواة عن القاسم: الوليد بن جميل، وهو مختلف فيه، وتُكلّم في روايته عنه، قال أبو حاتم: «شيخٌ روى عن القاسم أحايثُ مُنكرة» .
أقول: هذا؛ وقد وقفت على ثلاثة أحاديث للقاسم من رواية الثقات عنه، فيها ما يُستغرب:
منها ما أخرجه أحمد (5/261) ، وأبو داود (3541) وغيرهما؛ من طريق: عبيد الله بن أبي جعفر عن خالد بن أبي عمران عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا) .
والكلام على هذا الحديث يطول، وقد تكلمت عليه بعض الشيء في موطنٍ آخر.
ومنها ما أخرجه النسائي (2254) من طريق: محمد بن شعيب عن يحيى بن الحارث عن القاسم عن عقبة بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صام يومًا في سبيل الله عز وجل باعد الله منه جهنم مسيرة مائة عام) . وأخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (169) ، والطبراني في الكبير (17/335) ، ومسند الشاميين (896) .
ووجه الإشكال في هذا الحديث أنه جاء في الصحيحين: البخاري (2840) ومسلم (1153) من حديث: النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري رفعه: (من صام يومًا في سبيل الله؛ باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) . فهنا (سبعين) وحديث عقبة: (مائة) .
والجواب عن هذا الإشكال من جهتين: إسنادًا ومتنًا:
( أ ) من جهة الإسناد: فقد قيل: إن القاسم لم يسمع إلا من أبي أمامة. فعلى هذا يكون الإسناد منقطعًا.
وذهب آخرون إلى أن القاسم سمع من غير أبي أمامة: كعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، كما ذهب لهذا البخاري.
وهناك من ذهب إلى سماعه من سلمان كما تقدم.
وسماع القاسم من عقبة بن عامر مُحتمل؛ فقد أخرج الترمذي (2972) وصححه، والنسائي في الكبرى (6/299) وغيرهما، وصححه ابن حبان (11/9) والحاكم (2/275) من طريق: حيوة بن شريح عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: (كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر...) الحديث، وهو عند أبي داود (2512) بدون الشاهد.
وثبت أن القاسم حضر غزو القسطنطينية كما تقدم، فاحتمال سماعه منه قوي.
(ب) من جهة المتن: فهذا الحديث في باب الفضائل، والأمر فيها أسهل من غيره، وفضل الله عز وجل واسع، فقد يكون زاد الثواب إلى (مائة) ، فقد جاء في الصحيحين: البخاري (5705) ، ومسلم (220) من حديث ابن عباس في من حقق التوحيد أن: (سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) ، وجاء في حديثٍ آخر رواه أحمد (5/268) والترمذي (2437) وابن ماجه (4286) وغيرهم؛ من طريق: إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد عن أبي أمامة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (وعدني ربي سبحانه أن يُدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، لا حساب عليهم ولاعذاب، مع كل ألفٍ سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل) . ومثله في فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ فبعض الروايات: (خمس وعشرين) درجة، وبعضها: (سبع وعشرين) ، وكلها في الصحيح. بل جاء في باب الأحكام: اختلاف العدد، كما في حديث أبي هريرة في غسل الإناء من ولوغ الكلب ففيه: (سبع مرات إحداهن بالتراب) ، وفي حديث عبدالله بن مغفل: (ثمان مرات إحداهن بالتراب) ، وكلاهما في مسلم.
ومن المعلوم أن العدد في لغة العرب -التي بها نزل الشرع- يكون أحيانًا غير مراد، وإنما يُراد به التكثير والمبالغة.
ومنها ما أخرجه ابن أبي عاصم في الجهاد (303) من طريق: عروة بن رويم عن القاسم قال: زارنا سلمان الفارسي... إلى أن قال سلمان: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (رباط يوم: صيام شهرين، ومن مات مرابطًا أُجير من فتنة القبر، وأجري له صالح عمله إلى يوم القيامة) . وأخرجه أبو زرعة في تاريخ دمشق وابن عساكر، ولفظه: (رباط يوم) ، وفي رواية: (وليلة: كصيام شهر وقيامه) .
ووجه الإشكال في هذا الحديث أنه جاء في صحيح مسلم (1913) عن سلمان مرفوعًا: (رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجري عليه رزقه وأمِن الفتّان) . فهنا: (شهر) ، ورواية القاسم: (شهرين) . ولا شك أن ما في مسلم أصح.
والجواب عن هذا الإشكال من جهتين أيضًا: إسنادًا ومتنًا: (تنبيه: رواية ابن عساكر لا إشكال فيها؛ لأن فيها(شهر) فهي توافق ما في مسلم).
( أ ) من جهة الإسناد: فقد ذكر المزي (تهذيب الكمال 20/8) في ترجمة عروة بن رويم: أنه روى عن القاسم من طريقٍ ضعيف. فرواية عروة عن القاسم فيها نظر، وهو يرسل كثيرًا، إلا أنه صرّح بالتحديث عن القاسم في بعض طرق هذا الخبر. (وينظر تعليق المحقق وفقه الله على هذا الحديث) . وقد ذكر بعض أهل العلم أن أهل الشام يتساهلون في ألفاظ التحمّل من التحديث والسماع.
(ب) من جهة المتن: فليس هناك اختلاف إلا في لفظةٍ من الحديث وهي (شهر) ، وهي خطأٌ إما من القاسم أو ممن دونه.
أما ما يتعلق بكون هذا الحديث فرد، وأنه ليس موجودًا في كتاب عبدالله بن العلاء بن زبر، فالجواب عن ذلك وبالله تعالى التوفيق:
أولًا: ما يتعلق بالتفرد:
فأقول: لا شك أن التفرد أحيانًا يكون علة يُرد من أجلها الخبر، وأحيانًا لا يكون علّة. فهناك أحاديث غريبة، ولكنها صحيحة. وفي المقابل: هناك أحاديث لا تصح بسبب الغرابة والتفرد.
فالتفرد يكون علة، في الحالات التالية:
أن يتفرد أحد الرواة -وإن كان ثقة- عن إمام مشهور من الأئمة بالإكثار والحفظ، ولا يكون المتفرّد عنه مقدّمًا فيه، أو لا يصل إلى درجة الحفاظ المتقنين؛ ووجه ذلك أن يقال: أين أصحابه الآخرون عن هذا الحديث؟ (ينظر: كلام الإمام مسلم في مقدمة الصحيح، وكلام العقيلي على أصحاب قتادة؛ وقد نقله ابن رجب في شرح العلل) .
أن يكون هذا التفرد في الطبقات المتأخرة؛ لأن الأحاديث اشتهرت وانتشرت، وبالتالي يكون التفرد لا يُحتمل في مثل هذه الحالة، وقد نص أهل العلم على ذلك (ينظر: كلام الذهبي على هذه المسألة في الموقظة، وغير ذلك من الكتب الأخرى، فقد تكلم على هذا كثيرًا) .
أن يكون في متن الحديث غرابة، بحيث يُخالف الكتاب والسنة، فيكون هذا علة يردّ بها الخبر.
(وللتفصيل في مسألة الغرابة والتفرد، ينظر: شرح العلل لابن رجب وغيره، وقد توسعت في ذلك في شرحي المسجل على الموقظة للذهبي) .
وهذا الحديث الذي معنا، ليس فيه شيء من هذه الأمور الثلاثة.
وكيف يُعرف أن هذا الحديث غريب من جهة الإسناد؟
أقول: يكون هذا بواحدٍ من أمرين:
أن ينصّ الحفاظ على أن هذا الحديث غريب، تفرد به فلان؛ وقد أكثر الحفاظ من ذلك، كعلي بن المديني فيما نقل عنه، ويعقوب بن شيبة (ينظر: مسند يعقوب بن شيبة، ومسند الفاروق لابن كثير) ، وأبو عيسى الترمذي في جامعه، والطبراني في معجمه الأوسط.
وهذا هو: الأصل في معرفة الأحاديث الغريبة.
أن يُتتبع طرق الحديث، ومن خلال ذلك تُعرف طرقه، ومدى غرابته.
ولكن هذا لا يُعدّ كافيًا في الحكم على الحديث بالغرابة؛ لأن هناك طرق يُحتمل أنها لم تصل إلينا.
وهذا الحديث الذي معنا، لم أقف على من نصّ على غرابته؛ لكن قد يكون في كلام أبي حاتم -المتقدم- إشارةً إلى هذا، وسيأتي التعليق عليه.
وهذا الحديث الذي معنا ليس غريبًا، ولا يعد كذلك لما يأتي:
أما الأمر الأول، فليس موجودًا معنا في هذا الحديث:
فالقاسم بن عبدالرحمن: معروفٌ بالرواية عن أبي أمامة، مُكثرٌ عنه.
وعبدالله بن العلاء: معروفٌ بالرواية عن القاسم.
وزيد بن يحيى: معروفٌ بالرواية عن ابن العلاء.
وأما الأمر الثاني: فلا ينطبق على الحديث الذي معنا؛ لأمرين:
أن هذا الحديث إن كان فردًا، فليس هو في الطبقات المتأخرة، فطبقة أتباع التابعين قد يحصل فيها التفرد المقبول.
أن هذا الحديث شاميٌ، فرواته كلهم شاميون، من أبي أمامة إلى زيد بن يحيى، ومن المعلوم أن الغرابة في أحاديث الشاميين أكثر منها في حديث الحجازيين، والعراقيين؛ لاشتهار الرواية في العراق والحجاز أكثر منها في الشام، ولذا كانت طرق أسانيد أهل الشام أقل بكثير من أهل الحجاز والعراق.
وأما الأمر الثالث: فمتن هذا الحديث مستقيم، وسيأتي الكلام على ذلك.
ثانيًا: ما يتعلق بكون هذا الحديث ليس موجودًا في كتاب عبدالله بن العلاء بن زبر:
فأقول: إن كون هذا الحديث لا يوجد في كتاب الشخص، لا شك أنها قرينة قوية على عدم صحته، وما زال الحفاظ يعلّون الأحاديث بذلك.
والأمثلة على ذلك كثيرة، منها ما جاء عن أبي حاتم الرازي؛ فقد قال عبدالرحمن بن أبي حاتم:
«سألت أبي عن حديثٍ رواه ابن عيينة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن حسّان بن بلال، عن عمّار، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخليل اللحية؟.
قال أبي: لم يُحدّث بهذا أحد سوى ابن عيينة، عن ابن أبي عروبة.
قلت: هو صحيحٌ ؟
قال: لو كان صحيحًا لكان في مصنفات ابن أبي عروبة...». ينظر: علل بن أبي حاتم (60) .
ولكن هذه القرينة ليست قاطعة، فأحيانًا لا يوجد الحديث في كتب هذا الراوي، ومع ذلك يكون صحيحًا، كما هو الحال في الحديث الذي معنا، فتقدم قول أبي حاتم عنه: «وليس هما بمُنكرين، يحتمل» .
فنفى أبو حاتم النكارة عن هذا الحديث، والحديث الآخر.
وقال: «يحتمل» . أي: يُحتمل ألا يكون في كتابه، بل في كتاب آخر من كتبه، وأن هذا مما يُحتمل.
ولذا قال أبو حاتم الرازي عن قول يحيى بن معين عن حديثٍ، لما سأله عنه فقال:
حدثنا أحمد بن حنبل بحديث إسحاق الأزرق، عن شريك، عن بيان، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (أبردوا بالظهر) ، وذكرته للحسن بن شاذان الواسطي، فحدثنا به، وحدثنا أيضًا عن إسحاق، عن شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بمثله؟.
قال يحيى: ليس له أصلٌ؛ إنما نظرتُ في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا.
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم لأبيه: فما قولك في حديث عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ الذي أنكره يحيى؟
قال أبو حاتم: هو عندي صحيحٌ، وحدثنا أحمد بن حنبل رحمه الله بالحديثين جميعًا عن إسحاق الأزرق.
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم لأبيه: فما بالُ يحيى نَظَرَ في كتاب إسحاق فلم يجده؟
قال: كيف؟! نظر في كتبه كله؟! إنما نظر في بعضٍ، وربما كان في موضعٍ آخر. ينظر: علل ابن أبي حاتم (378) .
وينظر أيضًا في هذا أن يحيى بن معين حدّث بحديث عن حفص بن غياث. فقال ابن أبي شيبة: ليس هذا الحديث موجودًا في كتب حفص بن غياث.
فلعل هذا في بعض كتبه التي لم يطلع عليها ابن أبي شيبة.
وقد ذكر هذه القصة ابن عدي في الكامل (2/368) ، ولكنه تعقبها بعدم صحتها.
ينظر في هذه المسألة: قصص ونوادر لأئمة الحديث المتقدمين، لعلي بن عبدالله الصياح (ص79-83) فقد أجاد وأفاد في هذه المسألة.
الجهة الثانية: من جهة المتن:
أما من حيث المتن، فأقول وبالله تعالى التوفيق: هذا حديثٌ مستقيم، ومتنه محفوظ.
وقد جاءت أحاديث كثيرة بلفظه، أو معناه؛ وهو مشتمل على أربع فقرات:
أما الفقرة الأولى: (يا معشر الأنصار حّمروا وصفّروا، وخالفوا أهل الكتاب) :
فقد جاء في الصحيحين: البخاري (5899) ، ومسلم (2103) من طريق: الزهري، عن أبي سلمة وسليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم) .
وأخرج البيهقي في الكبرى (1/151) بإسنادٍ جيد من طريق: إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: «رأيت خمسةً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقصّون شواربهم، ويعفون لحاهم، ويصفّرونها: أبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن بسر، وعتبة بن عبد السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، والمقدام بن معد يكرب الكندي؛ كانوا يقصّون شواربهم مع طرف الشفة» .
وهذا أيضًا مما يؤيد أن الحديث محفوظٌ عن أبي أمامة؛ حيث عمل بمقتضاه.
وأما الفقرة الثانية: (تسرولوا وائتزروا، وخالفوا أهل الكتاب) :
فقد أخرج أحمد (1/43) من طريق: عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال:
(اتّزروا وارتدوا، وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات، وألقوا الركب وانزوا نزوا، وعليكم بالمعدّية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عنه) .
وأخرجه أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (995) ، ومن طريقه: الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري (كما في الفتح10/286) ، وأبو عوانة (5/233) ، وأبو يعلى (1/189) ، وابن حبان (12/268) ، وابن أبي شيبة (12/513) ، والبيهقي في الكبرى (10/14) .
وأخرجه بنحوه معمر (في جامعه الذي طبع ملحقًا بالمصنف 11/84-85) عن أيوب عن ابن سيرين قال: جلس إلينا رجل ونحن غلمان فقال كتب إلينا عمر... ثم أخرجه عن قتادة أن عمر كتب إلى أبي موسى..
وصححه ابن مفلح في الفروع (2/87-88) . وفيه: انزوا: ثِبوا وثبًا، والمعدّية: اللّبسة الخشنة، إشارةً إلى معدّ بن عدنان.
وأصله في الصحيحين؛ البخاري (5828) قال: ثنا آدم ثنا شعبة ثنا قتادة به مختصرًا ولفظه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحرير.. ثم أخرجه (5830) من طريق سليمان التيمي، وأخرجه هو (5829) ، ومسلم (2069) من طريق عاصم؛ كلاهما (عاصم وسليمان) عن أبي عثمان به.
وأما الفقرة الثالثة: (فتخفّفوا وانتعلوا، وخالفوا أهل الكتاب) :
فقد جاءت في حديث عمر السابق الموقوف عليه.
وجاء في المرفوع من حديث شداد بن أوس: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم) .
أخرجه أبو داود (652) ، والبزار (8/405-406) -وقال: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن شداد بن أوس إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد-، والطبراني في الكبير (7/290) ، والبيهقي في الكبرى (2/432) من طريق الحاكم؛ جميعهم من طريق: مروان بن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه مرفوعًا.
وصححه ابن حبان (5/561) ، والحاكم (1/260) ، وحسن إسناده العراقي في شرح الترمذي (نقلًا من فيض القدير 3/431) .
وعند ابن حبان: (خالفوا اليهود والنصارى) . هذا من قوله.
ومن فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يلبس النعال، ويصلي فيها، ففي الصحيحين البخاري (386) ومسلم (555) عن سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك أكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في نعليه؟ قال: نعم. وكذا حديث أبي سعيد الخدري المشهور، رواه أبو داود (650) وغيره، وإسناده قوي. وصححه ابن خزيمة (2/107) ، وابن حبان (5/560) .
وكان أحيانًا يخلع نعليه كما في حديث عبدالله بن السائب عند أبي داود (648) ، وعبدالله بن عمرو بن العاص عنده أيضًا (653) .
وأما الفقرة الرابعة: (قصّوا سبالكم، ووفّروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب) :
فهذا المعنى محفوظ له شواهد مشهورة:
فقد جاء في صحيح مسلم (260) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس) .
وفي الصحيحين: البخاري (5892) ، ومسلم (259) من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) .
وسبب هذا ما جاء عند ابن حبان (12/289) من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجوس فقال: (إنهم يوفون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم) .
وفي هذا الحديث الذي معنا عندما قيل له عليه الصلاة والسلام: إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم. فأمر بمخالفتهم، ونهاهم عن القص، كما هو منطوق الحديث.
ويُلاحظ في هذه الألفاظ: أنه ذكر المجوس بدلًا من الفرس، والمشركين واليهود بدلًا من نسبتهم إلى بلدانهم وقبائلهم، فذكرهم بأديانهم وعقائدهم.
وهذا دليلٌ على أن المسلم متعبدٌ بمخالفتهم دينًا وشرعًا، وأن المسألة ليست من قبيل العادات، أو معلقة بزمان معين، وإنما هي إلى قيام الساعة.
وقد أطال أبو العباس ابن تيمية الكلام على هذه المسألة، وبيّن الحكمة في مخالفة اليهود والنصارى وسائر الكفار، وأكثر الاستدلال من الكتاب والسنة، وذلك في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) .
فتبين مما تقدم أن هذا الحديث مستقيمٌ إسنادًا ومتنًا، ومحفوظٌ لفظًا ومعنىً. وبالله تعالى التوفيق.