وقد ورد إطلاق الواجب في كلام الشارع على ما لا يأثم بتركه ولا يعاقب عليه عند الأكثرين ... وإنما المراد به المبالغة في الحث على فعله وتأكيده» (1) .
ولذا بوب البخاري في كتاب العلم:باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه.
وقد نبه أبو عبدالله ابن القيم إلى أن من علامات تعظيم الأمر والنهي: عدم التوسع في الرخصة، حيث قال: «ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حدٍّ يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط» (2) . ثم ذكر بعض الأمثلة على ذلك.
أقول: ما تقدم من الشروط هي ضوابط معتبرة، سار عليها أهل العلم، وسلكوا بها جادة مطروقة، أوصلتهم إلى وضع الأمر في نصابه.
إلا أنه مع تطاول الأزمان، وتباعد الأيام، لا سيما مع غربة الدين، وضعف بعض أهله، وقلة الذابين عن حياضه، ظهر جملة من الناس قد حادوا بهذا المقصد العظيم -في تحديد مفهوم السعة ورفع الحرج والتيسير- عن الطريق القويم، والمنهج المستقيم، وصار ذريعة للبعض إلى الانسلاخ من الأحكام، والابتعاد عن الدين، والتهاون في الحلال والحرام، في المطاعم والمشارب، والسلوك والتعامل.
بل وصل ببعضهم والعياذ بالله إلى هدم أركان الدين، من إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة، كالولاء والبراء الذي كثر الحديث عنه، والتهوين من أمره، والتقليل من شأنه، مع أن الأمر كما قال حمد بن عتيق في سبيل النجاة والفكاك (ص31) : «فأما معاداة الكفار والمشركين، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى: أوجب ذلك وأكّد إيجابه، وحرّم موالاتهم وشدّد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكمٌ فيه من الأدلة أكثرَ ولا أبينَ من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده» اهـ.
(1) ينظر: جامع العلوم والحكم (ص525-526) .
(2) الوابل الصيب (ص24) .