الصفحة 12 من 117

... قلت: فتأمل جوابه عليه الصلاة والسلام وما فيه من عدم الترخيص، لمن فعل بعض أعمال الحج دون البعض الآخر.

وكذلك قصة صفية رضي الله عنها، التي أخرجها الشيخان: البخاري (1757، 4401) ومسلم (1211) من حديث عائشة رضي الله عنها أن صفية بنت حيي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أحابستنا هي؟) قالوا: إنها قد أفاضت. قال: (فلا إذًا) .

... فانظر كيف كان سيُحبس المسلمون بهذا الجمع العظيم، والعدد الكبير، وما قد يلحقهم من المشقة في ذلك، من أجل عذر امرأة، ما مدته ستة أيام أو سبعة.

وهذا كله دليل بيّن على أن قوله: (افعل ولا حرج) ليس على عمومه كما فهمه بعض الأفاضل.

وينبغي للمشتغل بالعلم أن يعظم أوامر الله جل وعلا ونواهيه، عند السائل والمستفتي وعموم الناس، ويربيهم على ذلك، وبهذا تحصل الاستقامة على طاعة الله تعالى.

ومن المعلوم أن كثيرًا من الناس إذا قيل لهم: هذا الأمر مختلف في وجوبه؛ تساهلوا في تركه، وإذا قيل لهم: إن هذا الشيء مختلف في حرمته، تساهلوا في فعله، دون مراعاة لاختلاف العلماء وما فيه من قوة أو ضعف.

قال بلال بن سعد رحمه الله تعالى -وهو من أفاضل التابعين-: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظم من عصيت.

وأنكر إسحاق بن راهويه تقسيم أجزاء الصلاة إلى سنة وواجب؛ فقال: «كل ما في الصلاة فهو واجب» وأشار إلى أن منه ما تعاد الصلاة بتركه، ومنه ما لا تعاد.

قال أبو الفرج ابن رجب معلقًا: «وسبب هذا والله أعلم: أن التعبير بلفظ السنة قد يفضي إلى التهاون بفعل ذلك، وإلى الزهد فيه وتركه، وهذا خلاف مقصود الشارع من الحث عليه والترغيب فيه بالطرق المؤدية إلى فعله وتحصيله، فإطلاق لفظ الواجب أدعى إلى الإتيان به والرغبة فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت