أما حضوره في الحكم والتحاكم؛ فهذا ممنوع في أكثر بلاد الإسلام اليوم - ولا حول ولا قوة إلا بالله -! اللهم إلا في زاوية ضيقة فيما يسمى بالأحوال الشخصية! ولو طلب المسلمُ أن يُحْكم له بهذا القرآن لسُخِر به، بل ولأجبر على التحاكم إلى القانون الفرنسي أو الانجليزي! ولا تَستغرب - إذا دخلت إحدى هذه المحاكم الوضعية - أن ترى فوق رأس القاضي - الذي يحكم بالقانون - الآية الكريمة التالية: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) !
بل كم رأينا من يضع يده على المصحف مقسمًا به ليُعلن اليمين الدستورية! أتدرون ما معنى هذا؟ إنه يقسم بالمصحف على تحكيم القوانين الوضعية! فرحماك يا رب بأمة الإسلام، وعياذًا بالله من هذا التناقض الشنيع!
والمسلم يرى هذا الإقبال الكبير على قراءة كتاب الله عز وجل ـ وخصوصًا في هذا الشهر الكريم ـ ينتابه شعوران: شعور بالفرح والسرور لمثل هذا المنظر، وشعورٌ بالحزن للبون الشاسع بين ما يقرؤه القارئ وبين حاله التي هو عليها منذ سنوات طويلة! والمصيبة تعظم حينما يرى القارئُ لألفاظه، والهاجرُ لبعض أحكامه أو أكثرها أنه قد أتى بالمطلوب، وبما يحبه الله ورسوله بمجرد قراءته!
ولم يعلم أن له نصيبًا مِن هجر القرآن بقدر تقصيره في تطبيق ما يقرأ، ونصيبًا من شكوى محمدٍ صلى الله عليه وسلم لربه! أتريدون البرهان:
كم هم رواد المحاكم الذين يقرءون أو يسمعون قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) أي: إلى القضاة (لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ؟
وهنا نسأل: ما الذي جعل الدعاوى الكاذبة - من أحد الخصمين - في المحاكم بالمئات؟ وما الذي أشغل القضاة بمثل تلك الدعاوى التي أحد الطرفين فيها - غالبًا - يعلم أنه كاذب؟ أين تحكيم هذه الآية في واقعهم؟