فهل ندرك - معشر قراء كتاب الله - ونحن نقرأ هذه الآية أن شكوى النبي صلى الله عليه وسلم مَن هجر القرآن، فيها دلالةٌ على أن ذلك من أصعب الأمور عليه، وأبغضها لديه؟ وأن في حكاية القرآن لهذه الشكوى وَعِيدٌ كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابةً لشكوى نبيه صلى الله عليه وسلم؟
أيُلامُ نبينا صلى الله عليه وسلم على شكواه وتفجعه! والمهجور هو كلام ربه عز وجل، الذي فتح الله به آذانًا صمًا، وعيونًا عميًا، وقلوبًا غلفًا؟ أليس هو عمدةَ الملة، وينبوعَ الحكمة، وآيةَ الرسالة، ونورَ الأبصار والبصائر؟ إنه الصراط المستقيم، والدستور القويم.
وإذا كانت هذه شكواه صلى الله عليه وسلم من هجر قومه الكفار، فماذا لو أحياه الله اليوم! لينظر في أنواع الهجر التي تلبّس بها أكثر المسلمين اليوم؟! لوَجد فيهم الهاجرَ للعمل به - وإن قرأه وآمن به -، ولوَجد الهاجرَ لتحكيمه والتحاكمَ إليه في أصول الدين وفروعه، ولرأى من هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فطَلبَ شفاء دائه من غيره! ولأبصر مَن هجر تدبرَه، وأعرض عن تفهمه ومعرفةِ مراد المتكلم به منه؛ فكان حظه منه كحظ اليهود من التوراة الذين قال الله عنهم: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: أنهم لا يعلمون من كتابهم إلا تلاوة ألفاظه فحسب، أما العمل والتدبر فهم عنه بمعزل.
قال ابن القيم ـ بعد أن ذكر هذه الأنواع الخمسة من الهجر ـ:"وكل هذا داخل في قوله: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) " (3) .
ماذا لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيًا؟ أما والله لتزيدن شكواه إلى ربه، وهو يرى قومًا من المنتسبين للإسلام لا يعرفون القرآن إلا في الموالد والمآتم والاحتفالات! وحظهم من تدبره - في تلك الأحوال - هزُّ الرؤوس، وتمايلُ الأعناق!