الْمُشْتَغِلِينَ بِأَحْكَامِ النُّجُومِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِر الْأُمَمِ فَهُوَ فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ جُزْءُ السَّبَبِ وَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ أَوْ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِتَمَامِ السَّبَبِ فَالْعِلْمُ بِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ وَإِنْ فُرِضَ الْعِلْمُ بِهِ فَمَحَلُّ تَأْثِيرِهِ لَا يَنْضَبِطُ ؛ إذْ لَيْسَ تَأْثِيرُ خُسُوفِ الشَّمْسِ فِي الْإِقْلِيمِ الْفُلَانِيِّ بِأَوْلَى مِنْ الْإِقْلِيمِ الْآخَرِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ قَدْ حُصِّلَ بِشُرُوطِهِ وَعُلِمَ بِهِ فَلَا رَيْبَ أَنَّ مَا يَصْغُرُ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ يُعَارِضُ مُقْتَضَى ذَلِكَ السَّبَبِ ؛ وَلِهَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الْخُسُوفِ وَأَخْبَرَ أَنَّ الدُّعَاءَ وَالْبَلَاءَ يَلْتَقِيَانِ فَيَعْتَلِجَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ . وَالْمُنَجِّمُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ حَتَّى قَالَ كَبِيرُهُمْ"بَطْلَيْمُوسُ"ضَجِيجُ الْأَصْوَاتِ فِي هَيَاكِلِ الْعِبَادَاتِ بِفُنُونِ الدَّعَوَاتِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ يُحَلِّلُ مَا عَقَدْته الْأَفْلَاكُ الدَّائِرَاتُ فَصَارَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ إنْ حَدَثَ سَبَبُ خَيْرٍ كَانَ ذَلِكَ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ يُقَوِّيهِ وَيُؤَيِّدُهُ وَإِنْ حَدَثَ سَبَبٌ شَرٍّ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ يَدْفَعُهُ وَكَذَلِكَ اسْتِخَارَةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ إذَا هَمَّ بِأَمْرِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: { إذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ } الْحَدِيثَ فَهَذِهِ الِاسْتِخَارَةُ لِلَّهِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ خَالِقِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ الطَّالِعَ فِيمَا يُرِيدُ فِعْلَهُ . فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ غَايَتُهُ تَحْصِيلُ سَبَبٍ وَاحِدٍ مِنْ أَسْبَابِ النُّجْحِ إنْ صَحَّ . وَالِاسْتِخَارَةُ أَخْذٌ لِلنُّجْحِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْخِيَرَةَ فَإِمَّا أَنْ يَشْرَحَ صَدْرَ الْإِنْسَانِ وَيُيَسِّرَ الْأَسْبَابَ أَوْ يُعَسِّرَهَا وَيَصْرِفَهُ عَنْ ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ } الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْعَرَّافُ يَعُمُّ الْمُنَجِّمَ وَغَيْرَهُ إمَّا لَفْظًا وَإِمَّا مَعْنًى . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ النُّجُومِ فَقَدْ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَاد مَا زَادَ } رَوَاهُ أَبُو داود وَابْنُ ماجه فَقَدْ تَبَيَّنَ تَحْرِيمُ الْأَخْذِ بِأَحْكَامِ النُّجُومِ عِلْمًا أَوْ عَمَلًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ أَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ . لِأَنَّ أَسْبَابَ الْحَوَادِثِ وَشُرُوطَهَا وَمَوَانِعَهَا لَا تُضْبَطُ بِضَبْطِ حَرَكَةِ بَعْضِ الْأُمُورِ وَإِنَّمَا يَتَّفِقُ الْإِصَابَةُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ بَقِيَّةُ الْأَسْبَابِ مَوْجُودَةً . وَالْمَوَانِعُ مُرْتَفِعَةً . لَا أَنَّ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٍ مُطَّرِدٍ لَازِمًا أَوْ غَالِبًا . وَحُذَّاقُ الْمُنَجِّمِينَ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ . وَيَعْرِفُونَ أَنَّ طَالِعَ الْبِلَادِ لَا يَسْتَقِيمُ الْحُكْمُ بِهِ غَالِبًا لِمُعَارَضَةِ ؛ طَالِعٍ لِوَقْتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ وَيَقُولُونَ: إنَّ الْأَحْكَامَ مَبْنَاهَا عَلَى الْحَدْسِ وَالْوَهْمِ . فَنُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَفِي الْأَحْكَامِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ يُعْلَمُ بِأَدِلَّةِ الْعُقُولِ امْتِنَاعُ ضَبْطِ ذَلِكَ وَيُعْلَمُ بِأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ وَالِاسْتِغْنَاءُ عَمَّا نَظُنُّ مِنْ مَنْفَعَتِهِ بِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ إنَّ كَلَامَ هَؤُلَاءِ بَيْنَ عُلُومٍ صَادِقَةٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مَنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَبَيْنَ ظُنُونٍ كَاذِبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا وَأَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ . وَلَقَدْ صَدَقَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْحَاسِبَ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ فِي حِسَابِ