وَهُوَ قَعْرُ الْأَرْضِ هُوَ"سِجِّينٌ""وَأَسْفَلُ سَافِلِينَ"عَلِمَ مِنْ مُقَابَلَةِ اللَّهِ بَيْنَ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَبَيْنَ سِجِّينٍ مَعَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ: إنَّمَا تَكُونُ فِي الظَّاهِرِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ أَوْ بَيْنَ السِّعَةِ وَالضِّيقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُلُوَّ مُسْتَلْزَمٌ لِلسِّعَةِ وَالضِّيقِ مُسْتَلْزِمٌ لِلسُّفُولِ وَعَلِمَ أَنَّ السَّمَاءَ فَوْقَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ تَحْتَهَا قَطُّ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَدِيرَةً مُحِيطَةً وَكَذَلِكَ كُلَّمَا عَلَا كَانَ أَرْفَعَ وَأَشْمَلَ . وَعَلِمَ أَنَّ الْجِهَةَ قِسْمَانِ: قِسْمٌ ذَاتِيٌّ . وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالسُّفُولُ فَقَطْ . وَقِسْمٌ إضَافِيٌّ: وَهُوَ مَا يُنْسَبُ إلَى الْحَيَوَانِ بِحَسَبِ حَرَكَتِهِ: فَمَا أَمَامَهُ يُقَالُ لَهُ: أَمَامٌ وَمَا خَلْفَهُ يُقَالُ لَهُ خَلْفٌ وَمَا عَنْ يَمِينِهِ يُقَالُ لَهُ الْيَمِينُ وَمَا عَنْ يَسْرَتِهِ يُقَالُ لَهُ الْيَسَارُ وَمَا فَوْقَ رَأْسِهِ يُقَالُ لَهُ فَوْقٌ وَمَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ يُقَالُ لَهُ تَحْتٌ وَذَلِكَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ . أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَلَّقَ رِجْلَيْهِ إلَى السَّمَاءِ وَرَأْسُهُ إلَى الْأَرْضِ أَلَيْسَتْ السَّمَاءُ فَوْقَهُ وَإِنْ قَابَلَهَا بِرِجْلَيْهِ وَكَذَلِكَ النَّمْلَةُ أَوْ غَيْرُهَا لَوْ مَشَى تَحْتَ السَّقْفِ مُقَابِلًا لَهُ بِرِجْلَيْهِ وَظَهْرُهُ إلَى الْأَرْضِ لَكَانَ الْعُلُوُّ مُحَاذِيًا لَرِجْلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ وَأَسْفَلُ سَافِلِينَ يَنْتَهِي إلَى جَوْفِ الْأَرْضِ . وَالْكَوَاكِبُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مُحَاذِيًا لِرُءُوسِنَا وَبَعْضُهَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ الْفَلَكِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا تَحْتَ شَيْءٍ بَلْ كُلُّهَا فَوْقَنَا فِي السَّمَاءِ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ إذَا تَصَوَّرَ هَذَا يَسْبِقُ إلَى وَهْمِهِ السُّفْلُ الْإِضَافِيُّ كَمَا احْتَجَّ بِهِ الجهمي الَّذِي أَنْكَرَ عُلُوَّ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ وَخَيَّلَ عَلَى مَنْ لَا يَدْرِي أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ فَقَدْ جَعَلَهُ تَحْتَ نِصْفِ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ جَعَلَهُ فَلَكًا آخَرَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَاهِلُ . فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ لَازِمٌ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِاَللَّهِ وَلَا هِيَ لَازِمَةٌ بَلْ هَذَا يُصَدِّقُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثِ الْإِدْلَاءِ ؛ فَإِنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَدُلُّ عَلَى إحَاطَةِ الْعَرْشِ كَوْنُهُ سَقْفَ الْمَخْلُوقَاتِ . وَمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى قَوْلِهِ هَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ التِّرْمِذِيُّ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ الْأَمْرُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَمْ يَعْرِفْ صُورَةَ الْمَخْلُوقَاتِ وَخَشِيَ أَنْ يَتَأَوَّلهُ الجهمي أَنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِالْخَلْقِ قَالَ: هَكَذَا وَإِلَّا فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُ حَقٌّ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَمَا عُلِمَ بِالْمَعْقُولِ مِنْ الْعُلُومِ الصَّحِيحَةِ يُصَدِّقُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَيَشْهَدُ لَهُ . فَنَقُولُ: إذَا تَبَيَّنَ أَنَّا نَعْرِفُ مَا قَدْ عُرِفَ مِنْ اسْتِدَارَةِ الْأَفْلَاكِ عُلِمَ أَنَّ الْمُنْكِرَ لَهُ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ الْأَدِلَّةِ لَكِنْ الْمُتَوَقِّفُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَعَلَ الْوَاجِبَ وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَزَلْ يَسْتَفِيدُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ لَا يَثِقُ بِهَا . فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: { إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ } وَأَنَّ كَوْنَ بَعْضِ الْحَرَكَاتِ الْعَالِيَةِ سَبَبٌ لِبَعْضِ الْحَوَادِثِ مِمَّا لَا يُنْكَرُ بَلْ إمَّا أَنْ يُقْبَلَ أَوْ لَا يُرَدَّ . فَالْقَوْلُ بِالْأَحْكَامِ النُّجُومِيَّةُ بَاطِلٌ عَقْلًا مُحَرَّمٌ شَرْعًا وَذَلِكَ أَنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ وَإِنْ كَانَ لَهَا أَثَرٌ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً بَلْ تَأْثِيرُ الْأَرْوَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَشَدُّ مِنْ تَأْثِيرِهِ وَكَذَلِكَ تَأْثِيرُ الْأَجْسَامِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ وَكَذَلِكَ تَأْثِيرُ قُلُوبِ الْآدَمِيِّينَ بِالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُؤَثِّرَاتِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَالصَّابِئَةِ