الْوَجْهُ الثَّانِي مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ مَا فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَنَهَى عَنْ الصَّوْمِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ وَعَنْ الْفِطْرِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ . وَلَا يَخْلُو النَّهْيُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الصَّوْمِ فَرْضًا وَنَفْلًا وَنَذْرًا وَقَضَاءً . أَوْ يَكُونَ الْمُرَادُ فَلَا تَصُومُوا رَمَضَانَ حَتَّى تَرَوْهُ . وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ نَهَى أَنْ يُصَامُ رَمَضَانُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَالرُّؤْيَةُ الْإِحْسَاسُ وَالْإِبْصَارُ بِهِ . فَمَتَى لَمْ يَرَهُ الْمُسْلِمُونَ . كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَدْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ أَنَّهُ يُرَى وَإِذَا رُئِيَ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَخْبَرَ مُخْبَرٌ أَنَّهُ لَا يُرَى وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: { فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ أَحَدٌ حَتَّى يَرَاهُ بِنَفْسِهِ بَلْ لَا يَصُومُهُ أَحَدٌ حَتَّى يَرَاهُ أَوْ يَرَاهُ غَيْرُهُ . وَفِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ عُمُومِ النَّفْيِ لَا نَفْيِ الْعُمُومِ: أَيْ لَا يَصُومُهُ أَحَدٌ حَتَّى يَرَى أَوْ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ رُئِيَ أَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ رُئِيَ ؛ وَلِهَذَا لَمَّا اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ رَمَضَانَ فَصَامَهُ بَعْضُهُمْ مُطْلَقًا فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ احْتِيَاطًا وَبَعْضُهُمْ كَرِهَ صَوْمَهُ مُطْلَقًا فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ كَرَاهَةَ الزِّيَادَةِ فِي الشَّهْرِ . وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ لِظُهُورِ الْعَدَمِ فِي الصَّحْوِ دُونَ الْغَيْمِ . كَانَ الَّذِي صَامُوهُ احْتِيَاطًا إنَّمَا صَامُوهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَآهُ غَيْرُهُمْ . فَيَنْقُصُونَهُ فِيمَا بَعْدُ . وَأَمَّا لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ يَسْتَجِيزُ أَنْ يَصُومَهُ لِكَوْنِ الْحِسَابِ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَطْلُعُ وَلَمْ يُرَ مَعَ ذَلِكَ كَمَا أَنَّ الْجُمْهُورَ الَّذِينَ كَرِهُوا صَوْمَهُ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى هَذَا الْجَوَابِ إذْ الْحُكْمُ مَمْدُودٌ إلَى وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ لَا إلَى جَوَازِهَا . وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ أَوْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَامَ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَمَضَانَ . إذَا لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ . هَذَا يُجَوِّزُهُ أَوْ يَسْتَحِبُّهُ حَمْلًا لِلنَّهْيِ عَنْ صَوْمِ رَمَضَانَ . وَيَكْرَهُهُ وَيَحْظُرُهُ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّقَدُّمِ وَلِخَوْفِ الزِّيَادَة . وَلِمَعَانٍ أُخَرَ . ثُمَّ إذَا صَامَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ رَمَضَانَ أَوْ بِنِيَّتِهِ الْمَكْرُوهَةِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ إذَا تَبَيَّنَ أَوْ لَا يُجْزِئُهُ . بَلْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْأُمَّةِ . وَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ رُئِيَ إلَّا مِنْ النَّهَارِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ إنْشَاءُ النِّيَّةِ مِنْ النَّهَارِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْأُمَّةِ: وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ رُئِيَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: فَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ أَوْ لَا يَجِبُ مُطْلَقًا ؟ أَمْ إذَا كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ؟ أَمْ إذَا كَانَتْ الرُّؤْيَةُ فِي الْإِقْلِيمِ ؟ أَمْ إذَا كَانَ الْعَمَلُ وَاحِدًا ؟ وَهَلْ تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ ؟ أَمْ الِاثْنَيْنِ مُطْلَقًا ؟ أَمْ لَا بُدَّ فِي الصَّحْوِ مَنْ عَدَدٍ كَثِيرٍ ؟ هَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ الثَّلَاثِينَ وَتَفَرَّعَ بِسَبَبِهَا مَسَائِلُ أُخَرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَذَا الْأَمْرِ وَلِمَا فَهِمُوهُ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَرَأَوْهُ مِنْ أُصُولِ شَرِيعَتِهِ وَلِمَا بَلَغَهُمْ عَنْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَهِيَ مَنْ جِنْسِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا أَهْلُ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ مَنْ خَرَجَ فِي ذَلِكَ إلَى الْأَخْذِ بِالْحِسَابِ أَوْ الْكِتَابِ كَالْجَدَاوِلِ وَحِسَابِ التَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ الْمَأْخُوذِ مَنْ سَيْرِهِمَا . وَغَيْرِ ذَلِكَ الَّذِي صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْيِهِ عَنْ أُمَّتِهِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ . وَلِهَذَا مَا زَالَ الْعُلَمَاءُ يَعُدُّونَ مَنْ خَرَجَ إلَى ذَلِكَ قَدْ