و روي إنه لما رأى نزول المغفرة للأمة في حجة الوداع يوم النحر بالمزدلفة أهوى يحثي على رأسه التراب و يدعو بالويل و الثبور فتبسم النبي صلى الله عليه و سلم مما رأى من جزع الخبيث و في شهر رمضان يلطف الله بأمة محمد فيغل فيه الشياطين و مردة الجن حتى لا يقدروا على ما كانوا يقدرون عليه في غيره من تسويل الذنوب و لهذا تقل المعاصي في شهر رمضان في الأمة لذلك ففي الصحيحين [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء و غلقت أبواب جهنم و سلسلت الشياطين[1]
]و لمسلم: [ فتحت أبواب الرحمة ] و له أيضا [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و أغلقت أبواب النار و صفدت الشياطين[2] ]و خرج منه البخاري وذكر فتح أبواب الجنة
(1) أخرجه: البخاري في الصحيح (4/112) ، ومسلم في الصحيح (1/758) .
قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمنعوا من إيذاء المؤمنين والتشويش عليهم ويحتمل أنه على المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إنماؤهم وإيذاؤهم فيصيرون كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس ويحتمل أن تمون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عموما كالصيام والقيام وفعل الخيرات والانكفاف عن كثير من المخالفات وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها وكذلك تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينفكون عنه من المخالفات ومعنى صفدت: غلت والصفد الغل . ...
ورجح القرطبي حمله على ظاهره وإنما تقل الشرور والمعاصي كثيرا في رمضان من الصائمين المحافظين على شروط الصوم وآدابه الشرعية والمصفدون من الشياطين هم المردة منهم كما حققناه في شرح كتابنا مختارات الأحاديث والحكم النبوية.
(2) سبق تخريجه. ...