ويقول في كتاب الإيمان (1) : «ولما كانت سورة البقرة سنام القرآن ويقال أنها أول سورة نزلت بالمدينة افتتحها الله بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين، فإنه من حين هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن، وإما كافر مظهر للكفر، وإما منافق. بخلاف ما كانوا عليه بمكة، فإنه لم يكن هناك منافق، ولهذا قال أحمد بن حنبل وغيره: لم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في قبائل الأنصار، فإن مكة كان الكفار مستولين عليها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، ليس هناك داع إلى النفاق، والمدينة آمن بها أهل الشوكة فصار للمؤمنين بها عز ومنعة بالأنصار فاحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان، مع أن قلوبهم لم تؤمن، والله تعالى افتتح سورة البقرة ووسط البقرة وختم البقرة بالإيمان بجميع ما جاءت به الأنبياء فقال تعالى في أولها ما تقدم وقال في وسطها: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ((2) ، وقال في آخر البقرة: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصْيرُ (( 3)
(1) كتاب الإيمان، ص 152 .
(2) سورة البقرة، الآيتان: 136-137.
(3) سورة البقرة، الآية: 285.