فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 154

إلى أن يقول: فلما نفى عنهم تكذيب القلوب, عُلِمَ أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب, والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبًا في النفس، ولا تكذيبًا فيها, وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به ولا يخبر في نفسه بخلاف علمه, فإن قيل العالم بالشيء العارف به قد يؤمن بذلك وقد يكفر كما قال تعالى: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَّعُلُوًّا ( وذلك مثل المعاندين من المشركين وأهل الكتاب وليس كفرهم لمجرد لفظهم, فإنهم أيضًا قد يقولون بألسنتهم ما يعلمونه ولا يكونون مؤمنين، مثل ما كان يقوله أبو طالب من الإخبار بأن محمدًا رسول الله, ومثل إخبار كثير من اليهود والنصارى بعضهم لبعض برسالته، ومع هذا فليسوا مؤمنين ولا مصدقين ومنهم اليهود الذين حاوروه وقالوا نشهد إنك رسول الله.

قيل الجواب عن هذا هو: أن ما أخبرت به الرسل من الحق ليس إيمان القلب مجرد العلم بذلك، فإنه لو علم بقلبه أن ذلك حق وكان مبغضًا له وللرسول الذي جاء به ولمن أرسله معاديًا لذلك كان مستكبرًا عليهم ممتنعًا عن الانقياد لذلك الحق لم يكن هذا مؤمنًا مثابًا في الآخرة باتفاق المسلمين. ولهذا لم يختلفوا في كفر إبليس مع أنه كان عالمًا عارفًا، بل لابد في الإيمان من علم في القلب وعمل في القلب أيضًا...

ولفظ التصديق يتناول العلم الذي في القلب ويتناول أيضًا ذلك العمل في القلب الذي هو موجب العلم ومقتضاه, فإنه يقال صدق علمه بعمله وذلك أن وجود العلم مستلزم لوجود هذا العمل الذي في القلب الذي هو إسلام القلب بمحبته وخشوعه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت