الثاني: وهو أن يكون بين الجملتين (كمال الانقطاع) أي تباين تام وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود، وذلك أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاء لفظًا ومعنىً فمن وجوب الفصل لاختلاف الخبر والإنشاء قوله تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} {الحجرات: 9} . فلما أمر بالقسط بأسلوب إنشائي أخبر بحب الله للقسط بأسلوب خبري فالتباين التام اوجب الفصل. قال البقاعي: ..." {وَأَقْسِطُوا} أي وأزيلوا القسط - بالفتح وهو الجور - بأن تفعلوا القِسط بالكسر وهو العدل العظيم الذي لا جور فيه، ثم علله ترغيبا فيه بقوله مؤكدًا تنبيهًا على أنه من أعظم ما يتمادح به ... {يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} أي يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب" [1] . فالجملتان متباينتان في الخبر والإنشاء والفظ والمعنى وسياق اللفظ ودلالة معنى التفسير.
الثالث: وضابطهُ أن تكون الجملة الاولى مورد السؤال الذي قد تضمنته والمقدر فيها فجاءت الثانية جوابًا لها أو جوابًا لسؤال قدر في الجملة الاولى وإذ ذاك يجب فصل الثانية عن الاولى لوقوعها جوابًا عن السؤال المقدر فيها. ويسمى هذا (شبه كمال الاتصال) أو (الاستئناف) كقوله تعالى: {قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ ... } {هود: 69} . كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم - عليه السلام -؟ فقيل: {قَالَ سَلامٌ} [2] . قال البقاعي:" {قَالَ سَلامٌ} أي ثابت دائم عليكم لا زوال لهُ أبدًا، فللرفع مزية على النصب لأنهُ إخبار عن ثابت، والنصب تجديد ما لم يكن فصار مندرجًا في {فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا} {النساء: 86} " [3] .
فالبقاعي ينص على الغرض البلاغي للفصل بقولهِ: {قَالَ سَلامٌ} تقديرهُ عليكم سلام وسلام عليكم، وهذا على أن يكون بمعنى التحية والتعظيم والإكرام وإنما رفع جوابه ليدل على إثبات السلام، فيكون قد حياهم بأحسن مما حَيّوهُ، ونصب الاول لأنه بمعنى الطلب، ورفع الثاني لأنه في معنى الخبر.
الرابع: وضابطهُ أن تكون الجملة الثانية بمنزلة المنقطعة عن الاولى لأنَّ الكلام قد يوهم أن الجملتين معطوفتان، لذلك يجب القطع لئلا يظن القارئ العطف وهو (شبه كمال الانقطاع) ومنه قول الشاعر:
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيمُ [4]
فبين الجملتين مناسبة ظاهرة لاتحاد المسندين لأن معنى أراها أظنها، وكون المسند إليه في الاولى محبوبًا وفي الثانية محبًا، لكنه ترك العطف لئلا يتوهم أنه عطف على (أبغي) ويحتمل أن يكون هناك سؤال مقدر بمعنى فكيف تراها يقول: أراها في الضلال وعلى هذا يعود الفصل إلى شبه كمال الاتصال [5] . وهذا لم اجد شواهد له في تفسير البقاعي ذكرناها إكمالًا للفائدة.
الخامس: وضابطه ان تكون الجملتان متوسطتين بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع مع قيام المانع من الوصول كأن يكون للاولى حكم يقصد إعطاؤه للثانية كقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم} {البقرة: 14 - 15} لا يصح عطفها على جملة {قَالُوا} لئلا يلزم من ذلك أن تكون من مقول المنافقين مع أنها من مقول الله تعالى [6] .
قال البقاعي:" {قَالُوا آمَنَّا} معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في إفادتها لما سيقت لهُ أدنى الحدوث ... {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} معبرين بالجملة الاسمية الدالة على الثبات مؤكدين لها، دلالة على نشاطهم لهذا الإخبار ولمزيد حبهم ... ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال: ما بالكم تلينون للمؤمنين" [7] .
إنَّ تحليل البقاعي اعتمد على النحو في افتتاح الجملة ومعاني اللغة من خلال التجدد في صيغة المضارع التي تفيد التجدد قال:"ويذيقهم في الدارين اعلى هوان مُجددًا لهم ذلك بحسب استهزائهم وذلك أنكأ من شيء دائم توطن النفس عليه، فلذلك"
(1) نظم الدرر: 18/ 372.
(2) ينظر: دلائل الإعجاز: 182، والتبيان في البيان: 142 والطراز: 2/ 47.
(3) نظم الدرر: 9/ 329. وقرا حمزة (سِلم) بكر السين، قال الفراء: وهو في معنى سلام كما قالوا. حل وحلال وحرم وحرام لان التفسير جاء بانهم سلموا عليه فرد عليهم. ينظر: الحجة في القراءات: 89، والنشر: 2/ 290، واتحاف فضلاء البشر: 2/ 130 ومعاني القران للفراء: 2/ 22.
(4) الاشارات والتنبيهات في علم البلاغة: 129. وينظر معاهد التنصيص: 1/ 54، و279 والبيت للمهلهل بن مالك الكناني. ينظر: معجم شواهد العربية: 2/ 356.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 129.
(6) ينظر: معجم المصطلحات البلاغية: 3/ 552.
(7) نظم الدرر: 1/ 114 - 115.