أما مواضع الفصل فهي كما ذكرنا خمسة:
الاول: وضابطهُ أن يكون بين الجملتين كمال التآلف وتمام الاتحاد؛ اذ تنزل الثانية من الاولى المنزلة نفسها وهو (كمال الاتصال) وذلك أن تكون الجملة الثانية تأكيدًا للاولى والمقتضى للتأكيد رفع توهم التجوز والغلط، وهو قسمان:
1.أن تنزل الثانية من الاولى منزلة التأكيد المعنوي من متبوعه في إفادة التقرير مع الاختلاف في المعنى كقوله تعالى: {ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيه} {البقرة: 1 - 2} وقد تناول البقاعي الاثنين بالتفسير قال:"فالمنفي كونه متعلقًا للريب، ومظنّة له، ولم يقَدّمَ الظرف لأنه كان يفيد الاختصاص فيفهم أن غيره من الكتاب محل الريب ... و (ذا) اسم مدلوله المشار إليه، واللام مدلوله معها بعد ما {الْكِتَابُ} من الكتاب" [1] . فالبقاعي في تفسيره الاتيين إنما يشير الى معنى القطع والفصل من خلال قوله: (ذا) اسم مدلوله المشار إليه و (ما الكتاب) من الكتاب وهو وصل الشي المنفصل بوصله خفية من أصله [2] .
فـ {ذَلِكَ الْكِتَابُ} جملة مستقلة فيوقف عليه {لا رَيْبَ فِيه} أي لاشك في أنه من عند الله وهذا تأكيد على فصل الجملتين لأن أحداهما تؤكد الاخرى وفي معنى {لا رَيْبَ فِيه} لاشك فيه تأكيد وهو للتعظيم [3] .
وذهب ابو حيان فنص على الاستئناف في إعراب جملة {لا رَيْبَ فِيه} فقال: {لا رَيْبَ} "جملة تحتمل الاستئناف فلا يكون لها موضع من الاعراب" [4] . والاستئناف تتابع بعد قطع وهذا يعني أنَّ أبا حيان يقصد أنَّ الجملة مفصولة عمّا قبلها.
2.أن تنزيل الثانية من الاولى منزلة التأكيد اللفظي من متبوعه في اتحاد المعنى لقوله تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} {البقرة: 1 - 2} فإن هدىً للمتقين معناه: أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة.
(1) نظم الدرر: 1/ 80 و5/ 168. ينظر: التبيان: 1/ 281، جامع البيان: 1/ 225، وتفسير القران العظيم: 1/ 39.
(2) ينظر المصدر نفسه: 1/ 80.
(3) ينظر المصدر نفسه: 1/ 79.
(4) البحر المحيط: 1/ 36.