الصفحة 58 من 302

قال البقاعي:"وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله: {جَمِيعًا ُ} حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ... {وَسَخَّرَ لَكُمْ} لئلا يسخَّرك منها شيء وتكون مُسخّرًا لمن سخّرَ لك الكل وهو الله تعالى" [1] .

فالبقاعي يذهب برأي الجمهور وان لم يفصل فيه، وقد استدرك أبو حيان على قول الزمخشري بالقول:"لا يجوز هذان الوجهان الا على مذهب الاخفش لأن {جَمِيعًا ُ} إذ ذاك حال والعامل فيه معنوي وهو الجار والمجرور ... وهو على مذهب الجمهور" [2] .

ومن تقديم الحال على صاحبها الظرف قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس} {سبا: 28} قال البقاعي:"إلا إرسالا عاما شاملا لجميع الناس أي ليس بخاص ببعض الناس فمقصود الآية نفي الخصوص واثبات العموم: والتاء في كافة للمبالغة فحال الارسال محصور في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق لا في الناس، فانه لو أُريد ذلك لقدموا فقيل: {إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس} " [3] .

قال القرطبي:"أي وما أرسلناك إلا للناس كافة: اي عامة، ففي الكلام تقديم وتأخير" [4] ولكن القرطبي لم يذكر الغرض البلاغي للتقديم وللتأخير في حين نجد البقاعي يشير الى الأهمية وان لم ينص عليها صراحة ولكن سياق كلامه عندما يقول: (في العموم للغرض) .

التقديم والتأخير وعلاقته بالسياق:

إن سياق القرآن الكريم سياق معجز: في مفرداته وترابط اياته، فكل كلمة تستدعي الاخرى لترتبط بها وتشكل بيانا لا يمكن فصله أو وضع كلمة بدل كلمة، والتقديم والتأخير في أسلوب القرآن الكريم كان أداة فعّالة لخلق هذا الأسلوب المعجز، فكل كلمة قُدّمت لسبب وأخرت أخرى بسبب.

(1) نظم الدرر: 18/ 76/77. ينظر: انوار التنزيل: 2/ 387.

(2) البحر المحيط: 8/ 45.

(3) نظم الدرر: 6/ 74، و15/ 504، والتسهيل: 3/ 150 - 151.

(4) الجامع لاحكام القرآن: 14/ 270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت