مفسرون سبقوه ولكننا نجد في تفسيره لطائفة من الآيات يسوق لنا اكثر من غرض بحسب فهمه وشرحه وربطه للآيات من خلال مجيء سياقها القرآني.
2.تقديم أحد المفعولين على الآخر:
ذكر أبو عبيدة هذا الأسلوب، ونصَّ على أنه مذهب من مذاهب العرب من كلامها، يقول في الآية الكريمة على قراءة {خَلَقَهُ} {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} {السجدة: 7} ."ومجازه أحسن خلق كل شيء والعرب تفعل هذا يقدّمون ويؤخّرون" [1] ويؤكد العكبري هذا لكلام فيقول:"ويجوز ان يكون {خَلَقَهُ} مفعولا أولًا {كُلَّ شَيْءٍ} ثانيا و {أَحْسَنَ} بمعنى عرّف: أي عرف عبادة كل شيء" [2] .
والبقاعي في تفسيره للآية أشار إلى قراءة {خَلَقَهُ} بتسكين اللام وعد الفعل {أَحْسَنَ} يتعدى إلى مفعولين بمعنى أفهم لكنه لم يذكر ظاهرة التقديم والتأخير في الآية [3] . واليه ذهب القرطبي وأبو حيان ولم يذكرا التقديم والتأخير في الآية [4] .
ومن تقديم احد المفعولين على الآخر قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} {الجاثية: 23} وأصل الكلام (هواه الهه) اتخذ الصنَم معبودًا، لكن قدم المفعول الثاني على الأول للعناية. كما تقول منطلقًا زيدا، لفضل عنايتك بانطلاقه" [5] . ونص البقاعي على وجه التقديم والتأخير في الآية فقال:"ولو قدم الهوى لكان المعنى انه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى، ولم يبق إلا ما ينسب إلى الإلهية كما اضمحل الطين في: اتخذت الطين حرقا ... ولو كان التقديم في هذا بحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا (الهوى) لأنّ السياق والسباق له ومفعول (رأى) الثاني مقدر يدل عليه قول آخر الكلام (فمن يهديه) تقديره: أيمكن أحدا غير الله هدايته ما دام هواه موجودا" [6] "
فالبقاعي ذكر وجه التقديم والتأخير في الآية وهذا ما لم نجده عند ابن جزي إذ اكتفى بتفسير معنى الآية فقال: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} أي إطاعة حتى صار كالإله" [7] ."
ولم يتناول أبو حيان ظاهرة التقديم والتأخير في الآية لانه لم يعد (هواه) مفعولا ثانيا بل جعله المفعول الثاني محذوفا [8] . فتقديم المفعول الثاني {إِلَهَهُ} على الأول {هَوَاهُ} إنما يعود إلى غرض العناية والاهتمام لأنّ الهدف من الحديث القرآني هو الاله المعبود. فتقدير الكلام (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) ثم نجد البقاعي في غير موضع يتحدث عن دلالة التقديم والتأخير في آية مشابهة لها في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} {الفرقان: 42} إذ يقول: فلو عكس لقيل: لم يتخذ هوىً إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه أمر إلهه، فلولا الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمرا إلهه، ومما يوضح لك انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير انك لو قلت: فلان اتخذ عبده أباه، لكان معناه انه عظّم العبد، ولو قيل: أنه أتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان الأب، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزانٍ ما في القرآن أو أنكرت أحدهما، فانك لا تجد ذوقك فيه يختلف في انه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدّم الشريف حقّره، وكذا لو قلت: إتخذَ إصطبله مسجدا أو صديقه أبا أو عكست" [9] ."
إذ يؤكد البقاعي أن أسلوب التقديم والتأخير لا يتوقف على الغرض وحده، بل يتعداه إلى الفهم في اختلاف الدلالة، وهنا يؤكد انّه لو كان التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة لكان تقديم (الهوى) في سورة الجاثية أولى. والله اعلم.
(1) مجاز القرآن: 2/ 130 - 131، وقراءة {خَلَقَهُ} بفتح اللام، قرأ بها نافع وعاصم وحمزة وخلف. ينظر: النشر: 2/ 247، والبحر المحيط: 7/ 199.
(2) التبيان: 2/ 189.
(3) ينظر: نظم الدرر: 15/ 243 - 242.
(4) ينظر: الجامع مع لاحكام القرآن: 14/ 84، والبحر المحيط: 7/ 199.
(5) البرهان: 1/ 277.
(6) نظم الدرر: 18/ 94 - 95.
(7) التسهيل: 4/ 39، وينظر: جامع البيان: 2/ 91، ومعالم التنزيل: 4/ 190، والجامع لاحكام القرآن: 8/ 578.
(8) ينظر: البحر المحيط 8/ 48.
(9) نظم الدرر: /394.