فسياق الكلام يدل على الكناية لكن لم يصرح باسمها بصراحة وكذلك فعل القرطبي وابن جزي فلم يذكرا لفظ الكناية [1] .
إن الملاحظ والمقارن لأقوال المفسرين يستنتج أن البقاعي اصطلح على الكناية ومقتضاها البلاغي بينما لم يفعل الزمخشري والقرطبي وابن جزي فلم يذكروها صراحة وإنما ذكروا مقتضاها البلاغي فقط وهذا يدلنا إلى أن مفسرنا أدرك قيمة المصطلح الكنائي وطبقه في تفسيره لبيان جماليات هذا الأسلوب وأمثلته كثيرة في تفسيره [2] .
2.الكناية لغرض ترك اللفظ إلى ما هو أجمل:
نحو قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَأحدةٌ} {صّ: من الآية23} . فكنى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك، لأن ترك التصريح بذكر النساء أجمل منه، لهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلا مريم [3] .
وذهب البقاعي بالقول بالكناية وفسرها بالمرأة أو الانثى بقوله في تفسير الآية هذه حكآية كلام أحد المختصمين والاخوة هنا اخوة الدين والنعجة في اللغة تقع على انثى بقر الوحش وعلى انثى الضان وهي عبارة عن المرأة ومعنى {أَكْفِلْنِيهَا} أي اعطنيها لاكون كافلا لها وعزني في الخطاب أي غلّبني وقوّي عليّ واشدد واغلظ بي في الكلام الذي له شان من جدال فسكت عجزا عن التمادي معه [4] . ثم يعلل هذه القصة بالقول 00"الا ان هذا الكلام قد لايراد به معناه ومن هنا كان الحكم في الفاظ الكنايات انه لايقع بها شيئ الا ان اقترن بقصد المعنى" [5] ولا نجد البقاعي يسوغ سبب الكناية وانما فسر معناها بالمرأة أو الانثى.
ان الكناية السابقة هي كناية عن موصوف خرجت بلاغيا الى ما هو اجمل وقد اصطلح البقاعي على الكناية وقاسها على كلام العرب فكان منهجا استدلاليًا استنتاجيا يعتمد
(1) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 6/ 334، والتسهيل: 2/ 147.
(2) ينظر على سبيل التمثيل: 2/ 12، و184، و3/ 345، و13/ 373، و17/ 357.
(3) البرهان: 2/ 302، والإتقان: 2/ 789.
(4) ينظر نظم الدرر: 16/ 356 - 358، ومصاعد النظر: 3/ 280 - 281
(5) المصدر نفسه: 16/ 361، والتسهيل: 3/ 156.