بصيغة الجمع. فلنتدبّر معًا بعض آيات الذكر الحكيم ونقف سوية عند ماقاله بعض المفسرين لنلاحظ سر اختيار صيغة المفرد. قال تعالى: (( تلك حدودُ الله ومن يطع الله ورسوله يُدخله جنّاتٍ تجري من تحتها الأَنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم، ومن يعص الله ورسوله ويتعدَّ حدود الله يُدله نارًا خالدًا فيها وله عذاب مهين ) )النساء 13 - 14. وأنت تلاحظ الآيتين المباركتين اختار الله عز وجل (خالدين) بعد ذكر من يُطيعُه ويُطيعُ رسوله الكريم (( - صلى الله عليه وسلم -) ، أما عند ذكر العاصي والمتعدي قال: (خالدًا) ، ففي الأولى جمعُ والثانية مفردُ فهل هناك سرُ لهذا العدول (من الجمع الى المفرد) ؟ هذا ما أجاب عنه أبو السعود بقوله: (( ولعلَّ إيثار الإِفراد ها هنا نظرًا الى ظاهر اللفظ، واختيار الجمع هاهنا الى ظاهر المعنى، للإِيذان بأَنَّ الخلود في دار الثواب بصفة الاجتماع أجلب للأُنس، كما أَنَّ الخلود في دار العذاب بصفة الانفراد أَشدُّ في استجلاب الوحشة ) ) [1] . ومن هذا المعنى قوله تعالى: (( إِنَّ شجرةَ الزقوم طعام الأَثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم. خذوه فاعتلوه الى سواء الجحيم ثُمَّ صبوا فوق رأسهِ من عذاب الحميم ذق إنك انت العزيز الكريم إِنَّ هذا ما كنت به تمترون أَنَّ المتقين في مقام وآمين في جنات وعيون ) )الدخان 43 - 52. اذا تأملت الآيات الكريمة تلاحظ إفراد الكفّار، وذلك بيِّنُ من قوله: (( الاثيم، فاعتلوه، رأسه ) )فالمقصودُ من هذا هو الكافر. أما المتقون فقد جاء ذكرهم بصيغة الجمع إذ قال تعالى: (( المتقين ) )وهذه هي سُنَّة القران الكريم إذا أَراد ذكر الكافر عبر عنه بصيغة الإفراد ويسند الجمع للمؤمنين (( وتلمحُ في هذه الآيات إفراد الأَثيم في مقابل جمع المتقين( ... ) ، لتؤدي صيغة المفرد معنى انفراد الكافر ومعاناته عذاب الوحشة، والوحدة، والغربة فوق عذاب الجحيم، في مقابل استئناس المؤمن بصحبهِ ورفاقهِ. فترى التقابل بين ذلك العذاب المضاعف، وذلك النعيم المضاعف، وبهذا تؤدّي صيغة المفرد في مثل هذا السياق معنى الوحشة، والوحدة، ومعاناة الم الغربة، والافتراق، والتعذيب )) [2] مما سبق تتبين فائدة اختيار صيغة المفرد في سياق الوعيد، ويمكن
(1) تفسير ابي السعود 2/ 154.
(2) الاعجاز الصرفي في القرآن 112.