ان يضاف اليها غرض آخر، وهو إِذلال الكافر وتحقيره، واستصغار شأنهِ، الى جنب إِعزاز المؤمن وإجلاله عند ذكره بصيغة الجمع. وهذه الطريقة تدل على التحذير من الكفر الى جانب الترغيب في الايمان. ومن اختيار صيغة المفرد في القرآن الكريم إِفراد كلمة (النور) مقابل جمع الظلمات. لو تتبعت القرآن الكريم تلاحظ افراد النور مقابل جمع الظلمات هي السُّنَة التي اعتمدها دون استثناء ايِّ آيةٍ، والشواهد على ذلك كثيرة سيقتصرُ الباحث على انموذج منها.
قال تعالى: (( الله وليُّ الذين آمنوا يُخرجُهم من الظلمات الى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يُخرجوهم من النور الى الظلمات ) )البقر 257. وأنت تلاحظ بشكل لاغبار عليه جمع الظلمات وإِفراد النور. لقد وقف الكثير من المفسرين عندهذه الحالة وابدوا اراءً فيها، ومن المفسرين أبو حيان الاندلسي (ت754هـ) فقد قال: (( جُمِعَتْ الظلمات لإِختلاف الضلالات، ووحّدَ النور؛ لأَنَّ الايمان واحد ) ) [1] . وقد تابع الآلوسي (ت1270هـ) سابقه على هذا مضيفًا اليه وجهًا آخر فقد قال: (( أُفرد النور لوحدة الحق، كما أن جمعَ الظلمات لتعدد فنون الضلال( ... ) ، وفي إفراد النور وجمعِ الظلمات إِيماءُ الى قِلَّةِ أتباع الحق، وكثرة أتباع الباطل، فالنورُ إيماءُ الى القلّة، والظلمات إشارة الى الكثرة )) [2] من هذين القولين يتضح إِنَّ هذا القول أَفاد التحذير من اتباع الطُرُق المتشعّبة التي لا مخرج منها، والحث على سلك السبيل الواحد على الرغم من قلّةِ سالكيه فإِنَّه أَمين. فالتحذير جاء بإِسلوب فُهِمَ من السياق القرآني. وفي سياق التخويف وبيان قدرة الخالق قال تعالى: (( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ))الجن 8 - 9. لنتأمل معًا ما قاله العلماء في قوله تعالى: (حرسًا) قال الزمخشري (ت 538هـ) : (( الحرسُ اسمُ مفردُ في معنى الحراس، كالخدم في معنى الخدّام، ولذلك وصِفَ بشديد، ولو ذهبنا الى معناه، لقيل: شِدادا، والرصدُ مثل الحرس اسمُ جمع
(1) البحر المحيط 2/ 283.
(2) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3/ 14.