أن تلاحظ العدول الذي عمدت اليه الآية المباركة من صيغة المصدر (ضلال) الى صيغةِ اسم المرّة (ضلالة) . لقد وقف بعض المفسرين عند هذا يبينون السبب في اختيار اسم المرّة فقد ذكر الفخر الرازي (ت 606هـ) أَنَّ صيغة اسم المرّة حين دخلها النفي نُفِي أيُّ نوعٍ من أَنواع الضلالة، فكأَنَّ اسم المرّة أبلغ في عموم السلب [1] . (( ولفظُ مبين بصيغة اسم الفاعل، اي: على ضلال بَيِّن، واضحِ ثابتٍ، فناسب ذلك أن يسلك نوح(ع) في نفي هذا الاتهام مسلكًا آكد وأَبلغ في إِثباته؛ فلذا عدل من صيغة المصدر الى صيغة اسم المرّة، وذلك لأَنَّ اسم المرّة لا يدلُّ الا على الفعلة الواحدة، ونفي الأَدنى من نفي الاكثر )) [2] . اما الآلوسي (ت 1270هـ) فقد ذهب الى ما ذهب اليه سابقوه، وذلك بقوله: )) فيرجع حاصل المعنى، ليس بي أقلُّ قليل من الضلال فضلًا عن الضلال المبين )) [3] . من الأقوال السابقة يتبين أَنَّ نوح (ع) حين نفى القليل من الضلال عن نفسهِ، انتفى الضلال الكثير. كما أن نوح (ع) قال: ضلالة؛ لأَنَّ هذا القول من جملة النصيحة التي نصح نوح (ع) قومه بها. فهو نصحهم بعدم اتهامهم اياه بأقل الضلال وإن خالفوا تلك النصيحة يستحقوا العقابَ. والنصيحة لا تخرج من معاني التخويف والتحذير.
اختيار صيغة المفرد
اختار الله عزّ وجلّ في كتابهِ العزيز صيغة المفرد في مواضع عدّة. وكان لهذا الاختيار أثرهُ في الإِيحاء بشدةِ المعنى وغلاظتهِ تفوق غلاظة وشدة اللفظ لو جيء به
(1) يُنظر: التفسير الكبير 150/ 151.
(2) تفسير الجلالين جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلي، طبع مع الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، الاستقامة، مصر: 1/ 202.
(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 8/ 151.