الصفحة 97 من 301

وَاحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ )) الحاقة 13 - 15. إذا تأملت قوله: نفخة، دكة، تجد (( كل كلمةٍ تدلُّ على حدثٍ مجرَّد من الزمن، والنسبةِ، والذات( ... ) ، وإذا دققت النظر فيها وجدت كلَّ كلمة من هذه الكلمات دلَّت على وقوع الحدث مرةً واحدةٍ لاغير )) [1] . وقد أورد الزمخشري (ت 538هـ) تساؤلًا في سبب ذكر (واحدة) بقوله: (( فإن قلت: هما نفختان، فلم قيل: واحدة؟ قلت: معناه أَنها لا تُثنّى في قوتها ) ) [2] . وجاء في هامش الكشاف قولُ لابن المنير يفيد سببًا آخر يتمثل بقوله: (( وامّا فائدته الإِشعار بعظم هذه النفخة، وإنَّ المؤثّر لدكِ الأَرض، والجبال، وخراب العالم هي وحدُها، غير محتاجةٍ الى أُخرى ) ) [3] . ويرد بناء اسم المرّة في بيان شدة العذاب. قال تعالى: (( وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) )الأَنبياء 46. فقد جاء التعبيرُ عن العذاب ببناء المرّة وهو قولُه نفحة [4] . (( والتعظيمُ مستفادُ من البناءِ للمرّةِ، ومن الكلمةِ نفسها؛ لأَنَّها من قولهم نفحت الريح، إِذا هبّت، اي: هَبَّة ) ) [5] . إذا تأمّلت الآيات السابقة الذكر تجد إحداهما ذكرت بدء يوم القيامة والثانية عبّرت عن عذاب الله عز وجل، وقد وظّفت صيغةُ اسم المرّة توظيفًا بليغًا فيهما، فهذا الكون العجيب إذا قربت الساعة لا يحتاج إِلاَّ الى نفخةٍ واحدةٍ، ودّكة واحدة لقلب نواميس طبيعتهِ، وذلك الإِنسان الظالم العنيد لا يحتاج إلاّ الى نفحةٍ واحدة من العذاب ليُذهبَ به أدراج الرياح ويُرمى في جهنم جزاءً على ما قدَّمه لنفسهِ، ومن هذين المعنيين تتبين قدرةُ الله عز وجل لما يريد فعله، الى جنب ضعف الإِنسان وصغر شأنهِ، وما هذا الا تحذيرًا. ومن المواضع التي اختير فيها صيغة اسم المرّة ما جاء على لسان نوح (عليه وعلى نبينا وآله السلام) حين نبّه قومه، قال تعالى: (( قال الملأ من قومهِ إِنا لنراك في ضلالٍ مبين. قال ياقومِ ليس بي ضلالة، ولكني رسولُ من رَبِّ العالمين ) )الاعراف 60 - 61. ويمكن لك بوضوح

(1) الصرف الواضح 145.

(2) الكشاف 4/ 601.

(3) المصدر نفسه 4/ 601.

(4) ينظر: الكشاف 3/ 119، الميزان في تفسير القرآن 14/ 291.

(5) الايضاح في علوم البلاغة 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت