وأما في الآيةِ الثانية فقد جاء اللفظ ذاته بعد فعل الأَمر الذي أفاد الوعيد. لقد أَثار بعضُ المفسرين تساؤلًا مفاده، ما السببُ في اختيار اسم المرّة في سياق الوعيد، وأَعطى بعضُ المفسرين جوابًا عن ذلك، ومنهم الآلوسي (ت1270هـ) فقد قال: (( نعمة بناؤها بناء المرّة، واُخْتير ها هنا تفسير النعمة بالشيء المنعم به؛ لأنّهُ أنسبُ للترك، وهي كثيرًا ما تكون بهذا المعنى ) ) [1] . من هذا القول يتضحُ أَنَّ النعمة هي الشيء الذي يُنْعَمُ به، ويمكن لمن أنعم استرجاع نعمته، وحين كانت قابلةً للرّدِ اختير لها بناءُ المرّة. اما احد المحدثين فقد رأى سببًا آخر لهذا الاختيار تمثّل بقوله: (( وكأَنَّ المتكلم هنا سبحانه يتبرّأ من التزيّد عليهم، وإِنه يستقل كثيرًا من نِعمهِ على عبادهِ، فضلًا أن يتزيّد، فكأنه قال: وربَّ نعمة كانوا فيها فاكهين، فيقولُ السامع: بل كانوا في نِعَمٍ كثيرة، فيكون من باب تقرير المخاطب بالحجَّةِ وإلزامه بها بطريق غير مباشر( ... ) فضلًا عما في الإِفراد بصيغةِ المرّة من الدلالة على كونها نعمة محتقرة لدى الرب لا وزنَ لها عنده؛ لأَنّها نعمة الدنيا، لا نعمة الآخرة، وإِن كانت عند المخاطب بمكانٍ عظيم، وقد يقال: إنَّ المقام هنا مقامُ تكثير النعم لا تقليلها لابتدائه بـ (كم) الخبرية المفيدة للكثرة، فتقول: إِن النكتةَ في الإِفراد هي اختصار تلك النعم على كثرتها، وتوحيدُها يدلُّ على أَنها في مجموعها لا تكاد توازي نعمة مفردة من نعم الآخرةٍ )) [2] . وخلاصةُ القول إِنَّ الله يمنُّ على عبادهِ بنعم كثيرة وحين يُريد تذكيرهم بتلك النعم يختار اللفظ المفرد على كثرة تلك النعم؛ لأَنّها محتقرة عنده عز وجل ما دامت دنيوية، (( ويزداد الإِحساس بجمال صيغة اسم المرّة بمقابلتها بما أَعدَّه الله تعالى للمكذبين من(انكال بصيغة الجمع وجحيم، وطعام ذي غصة) (( فهذه النعمة الواحدة الحقيرة جلبت لهم صنوف العذاب، وأَلوانه المتعددة ) ) [3] فكيف إِذا كان اللفظ جمعًا، اي، نِعَمْ فكيف يكون العذاب المعدُّ لهم؟
إِذا تأملت الآيات التي تنبئُ عن قيام الساعة تجد اسم المرّة رافقها كثيرًا، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً
(1) روح المعاني 25/ 123.
(2) الاعجاز الصرفي في القرآن 98.
(3) المرجع نفسهُ 99.