ثالثًا: زيادة حرف معين في الفاصلة عنايةً للبعد الصوتي بنسق البيان، وهذا الضربُ مثل قولهِ تعالى: (( فأمّه هاوية، وما ادريك ماهية، نارُ حامية ) )القارعة 10 - 11.
أَنعم النظر في قوله تعالى: (هية) تجد هاء السكت قد أُلحقت بآخره لتظيف اليه فائدة أوضحها الزركشي (ت749هـ) بقوله: (( هذه الهاءُ عدّلت الفواصل في هذه السورة، وكان لإلحاقها في هذا الموضع تأثيرُ عظيم في الفصاحة ) ) [1] . وانت حين تقرأ قوله تعالى (( وما ادراك ماهية، نارُ حامية ) )تقفُ خاشعًا مبهورًا تمتلكك هزّةُ من الأَعماق، وأنت مأخوذُ بهذا الوضع الموسيقي الحزين المنبعث من أَقصى الصدر وأَواخر الحلق فتتقطع الأَنفاس وتتهجد العواطف واهجة متفكرّة متطلعّة [2] . وما يدخل ضمن هذا قوله تعالى: (( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ، فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِي، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِي، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِي، يَالَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي ) )الحاقة 18 - 29.
تأمل الأَلفاظ (كتابيه، وحسابيه، وماليه، وسلطانيه) تجد هاءً أُلحقتَ بآخرها، ولو نظرنا في كُتُب النحاة وجدنا فيها أراءً تبيّن سبب الحاق هذه الهاء في مثل هذه المواضع، وإنَّ تلك الاراء على اختلاف ازمان اربابها قد اتفقت بأنها هاءُ السكت [3] . إلاَّ انني في هذا الموضع ابتعد عن النحاة واقترب من الصوتيين حتى تتبين الدلالة الصوتية التي أفادتها الهاء. لقد اوضح السيد الطباطبائي الغرض العام من هذه الآيات الكريمة بقوله: (( الغرضُ
(1) البرهان في علوم القرآن 1/ 61.
(2) الصوت اللغوي في القرآن 153.
(3) ينظر: معاني القرآن واعرابه، للزجاح تحقيق: عبد الجليل عبده الشبلي، الأَميرية، القاهرة، 1974: 2/ 134. ومعاني القرآن للاخفش تحقيق: فائز فارس، الصفاة، الكويت، ط1، 1979م: 2/ 543. واعراب القرآن للنحاس 3/ 499، 3/ 578، والبيان في غريب اعراب القرآن أبو البركات الأَنباري، تحقيق: طه عبد الحميد طه، راجعه مصطفى السقا، القاهرة، 1969: 2/ 458.