تجعل الباءَ ساكنة، وبإمكانك تَحريكها بالكسر. وفي الآية الخامسة تنتقل الفاصلةُ الى نظيرتها الشديدة (الدال) لتختمَ السورة بها، والفاصلةُ الأَخيرة تشارك السابقتين لها (الثالثة والرابعة) بالحركة، فيمكن لك أَن تقف عند الدال بالسكون ويمكن أن تحرّكها بالكسر. وانت تلاحظ الوقع الذي أَحدثه هذان الحرفان، يقول ابراهيم انيس: (( لقد حرص القدماء على جهر الأصوات الشديدة أَمثال الدال والباء، لما شاع في نطق بعض اللهجات القديمة من ميل الناطقين الى همس كلِّ صوتٍ شديد، فالصوتُ الشديد المجهور مالَ دائمًا لأن يكون مهموسًا لاسيما إذا كان مشكلًا بالسكون متطرّفًا، او في وسط الكلمة، وقد جاوره صوت مهموس، لهذا أطالوا الأَصوات الشديدة المجهورة ليُظهر واجهرها، ويحولوا بينها وبين أن تصبح مهموسة ) ) [1] .
أَما عبد الكريم الخطيب فقد وصف أَصوات هذه الفواصل بقوله: (( اصواتُ مزمجرّة تُدَقُّ في عُنفٍ وقُوّة، تجيء اليه من كلِّ مكان، وتقعُ عليه من كلِّ جهة، أَصواتُ تتحول إِلى أَشباح هائلة مخيفة تدخلُ عليه بيته فتمزّق ثيابه وتُلطم وجهه ) ) [2] ، يقرب من هذا قول سيد قطب إذ قال: (( في السورة تناسقُ دقيقُ ملحوظُ في موضوعها وجوّها، تناسقُ في اللفظ، وتناسقُ في السورة، فجهنم هنا ذاتُ لهب، يصلاها ابو لهب( ... ) وتتم السورة بمحتوياتها الساذجة الحطب، الحبل، النار، اللهب. وتناسق من لونٍ آخر في جرس الكلمات مع الصوت الذي يُحدثه شدُّ أَحمالَ الحطب، وجذبَ العنق بحبل من مسد، والشدُّ الشبيه بحزم الحطب، وشدُّه، والتشبيه بغل العنق وجذبه، وهكذا يلتقي تناسب الجرس مع حركة العمل التصويرية مع تناسق الصوت في جزئياتها المتناسبة بتناسب الجناس اللفظي، ومراعاة النظير في التعبير )) [3] والاية في مجموعها تحذير ووعيدُ بالمصير الذي ينتهي اليه ابو لهب والكافرون بالله [4] .
(1) الأَصوات اللغوية 106.
(2) اعجاز القرآن، الكتاب الثاني: 34.
(3) في ظلال القرآن 30/ 283 - 284.
(4) ينظر: علوم القرآن، محمد باقر الحكيم، دار المعارف، بيروت، ط3، 1995م: 220.