ثانيًا: الوقوف عند حرفٍ معيّن للفاصلةِ والانتقال منه للوقوف عند حرفٍ آخر، وأَمثلةُ هذا النوع كثيرةُ، مثلُ سورة (النبأ، والمرسلات، والنازعات، والتكوير، والانفطار) . تأمّل قولَه تعالى: (( يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ))عبس 34 - 42. تلاحظ آيات السورة المباركة قد واكبت الهاء، حتى خُتمت الفاصلة بهذا الحرف في الكثير من المواضع ثم انتقلت الفاصلة الى الراء التي أُلحِقتْ بها التاء القصيرة التي تُنطق هاءً عند الوقف. وإنَّ كلتا الفاصلتين (الهاء والتاء القصيرة) لهما الأَثر الكبير في بيان شدة الهول والمعاناةِ. لاسيما أن في الهاء جميع صفات الضعف [1] .
وقال تعالى (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) )سورة اللهب.
تأمل الفاصلة القرآنية إذ راقتها الباء من أول السورة المباركة وبقيت ملازمةً لها حتى استوفت عرضَها تركت الفاصلة لتحلَّ الدال محلَّها، وأنت تلاحظ كلا الحرفين الباءَ والدال شديدين [2] ، وقد اصطلح المحدثون على الباء والدال الأَصوات الانفجارية، يقول الدكتور إِبراهيم أَنيس: (( هذا النوع من الأصوات الانفجارية، هو ما اصطلح القدماءُ على تسميتهِ بالصوت الشديد، وما يُسمّيه المحدثون انفجاريًا ) ) [3] . إِذا تأمّلت الآيتين الأَولى والثانية تجد كلتيهما تُقرأ ساكنةَ الحرف الأَخير (الباء) ، اي: ساكنة الفاصلة، ويمكن قرأتها محرّكةً بالفتح لأَنَّهما -الفاصلتين- فعلان ماضيان. ففي قوله تعالى: (تب، كسب) يمكن أن تقول: تبَّ، كسبَ، ويمكن أَن تقول: تبْ، كسبْ، والحال ذاتها تتكرر في الآيتين الثالثة والرابعة لكن الفتح أُبِدلَ بكسر، فحين تقرأ قوله تعالى (لهب، الحطب) بإمكانك أن
(1) الدراسات الصوتية عند علماء التجويد 327.
(2) ينظر: سر صناعة الاعراب 1/ 69.
(3) الاصوات اللغوية: الدكتور ابراهيم أنيس، ملتزم الطبع والنشر دار النهضة العربية مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة، ط3، 1961م: 24.