الصفحة 69 من 301

الفاصلةُ بحرف الراء مرددًا بين طرف اللسان، وأوّل اللهاة مما يلي الأسنان [1] . اقرأ قوله تعالى: (( وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ، خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ، مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) )القمر 4 - 8.

أَنعم النظر في (مزدجر، النُذُر، نُكُر، منتشر، عَسِر) تجدها الفاظًا ذاتَ وقع خاص يُوحي تركيُبها الصوتي بشدّتها. قال الطبري (ت310هـ) : (( مزدجر: منتهى ) ) [2] . وقال الطبرسي (ت548هـ) : (( المزدجر: المتعظ ) ) [3] . من هذين القولين يتبيّن أَنَّ الزجر المنع، وهذا المنع ترافقه الشدةُ والحزم ثم تنتقل الفاصلة الى قوله: (نُذُر) ، قال النحاس: (( النُذُر: بمعنى الإِنذار والتحذير ) ) [4] . وبعد الإِنذار والتحذير اللذين أفادتهما الفاصلة تأتي فاصلةُ اخرى لتُظفي على ذلك الإنذار والتحذير صفة الهول، وذلك بجعلهِ مجهولًا لا يعلمُ كنهه الا الله وذلك تمثّل بقوله تعالى: (نُكُر) يُقال: أَنكرت الشيءَ فهو مُنكرُ، ونكرِتُه فهو منكور، وقولُه تعالى: (( الى شيءُ نُكرِ ) )أي: الى شيءُ يُجهل [5] . وهكذا تنتقل الفاصلةُ القرآنية من معنى الى آخر أَشدُّ قساوةً من سابقهِ. وتقف هذه الفواصل عند حرفٍ واحد وهو الراء. اعد النظر في الأَلفاظ (النُذُر، ونُكُر، وعُسِرُ) (( تجد الضمةَ قد توالت فيها وهذه الأَلفاظ على وزنٍ واحدٍ، وبالرغم من ثُقلِ الضمة إلا أَنَّ هذه الأَلفاظ جاءت عذبةً تهشُّ لها النفس، موافقةً لحركاتها الشعورية، ولإيحاءات الجرسِ التصويرية، وهي تؤثّر في النفس عن طريق حاسة السمع، وما ذلك الا للانسجام الحاصل في الطبيعة النغميّة،( ... ) وهذا ماله أثرهُ في اثارة انفعال النفس )) [6] .

(1) ينظر: الصوت اللغوي في القرآن 149 - 150.

(2) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 27/ 89.

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 9/ 185.

(4) أعراب القرآن 3/ 287.

(5) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 27/ 445، مجمع البيان في تفسير القرآن 3/ 45 و 9/ 185.

(6) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت