الفاصلة القرآنية
حين يأمر الله عبادَه يكون من الطبيعي لذلك الشيء المأمور فعله من الأَهميةِ والقدر ما لا يُنكر. فعندما أمر تعالى بقوله (( وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ) )المزمل / 4. فدلالةُ الأَمر انصرفت للترتيل، وقد ورد عن الإِمام علي (ع) أنه قال: (( الترتيلُ: تجويد الحروف، ومعرفة الوقف ) ) [1] . وهذا (( الوقف عُرِف بمصطلح الفاصلة القرآنية ) ) [2] . قال السيوطي (ت911هـ) : (( وهو بابُ عظيم القدر، جليل الخطر؛ لأنه لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن، ولا استنباط الأَدلّة الشرعية الا بمعرفة الفواصل ) ) [3] . وقد رأى الاستاذ عبد الكريم الخطيب الفاصلة بمنزلة مركز الثقل في الآية إذ قال: (( تعقيب على المعاني التي تضمنتها الآية. وفي هذا التعقيب يُرى وجهًا جديدًا لتلك المعاني فتزداد وضوحًا وبيانًا. اذن يكون من وظيفة الفاصلةِ تلخيص معنى الآية تلخيصًا يبرز به المعنى، والمراد من الآية. فهي اشارة مضيئةُ الى مركز الثقل في الآية ) ) [4] . من هذا يتبين أَنَّ للفاصلةِ أَهميةُ كبيرة في بيان المعنى الذي تهدف اليه الآية المباركة، وما دامت المعاني التي تهدف اليها الآيات كثيرة تتعدد بتعداد الأغراض وجب أن تختلف الفواصل بحسب الغرض الذي تهدف اليه السورة، وعلى هذا سيكون لكل معنى فاصلةُ خاصةُ به، وفي هذا الموضع أقتصر على الفواصل التي ترد في سياق التحذير [5] .
اولًا: الوقوف عند حرف معيِّن لا يتغيّر في الفاصلةِ، كما في سورٍ عدّة من القرآن الكريم عامة، والسور القصار خاصة، كسورة العصر، والفيل، والليل، والناس، وجملة من السور الوسطى كالأعلى والقمر. وهذه السور تبرز فيها مراعاة المنهج الصوتي، والبعد الإِيقاعي. ويتجلّى النغم الصوتي بأبهى صُوَرِه واروع مظاهرهِ في سورة القمر، إذ تُختتَم
(1) الاتقان في علوم القرآن 1/ 230.
(2) البرهان في علوم القرآن 1/ 342.
(3) الاتقان في علوم القرآن 1/ 230.
(4) اعجاز القرآن، الكتاب الثاني: 206.
(5) للمزيد من الاطلاع راجع، البرهان في علوم القرآن 1/ 51 76 - 77. و342.