الصفحة 66 من 301

على الشدة )) [1] . مما سبق يتضح أَنَّ مضاعفة اللفظ غرضُها إِيقاع معنى أَكثر قوةً وضخامةً، فزيادة أَصوات الكلمة ساهمت في زيادة دلالتها المعنوية.

ومن هذه المعاني قوله تعالى: (( وهم يصطرخون فيها ربَّنا اخرجنا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل ) )فاطر 37. وانت تلاحظ الآية الكريمة استعملت (يصطرخون) وهي مفردة توحي من تركيب أصواتها الى شدتها وتضفي الهول على ذلك الموقف. قال الخليل (ت 175هـ) : (( الصرخةُ: صيحةُ شديدة عند فزع أَو مصيبة، والاصطراخ: التصارخ ) ) [2] . وقال الشيخ الطوسي (ت 460هـ) : (( يصطرخون: يتصايحون بالاستغاثة، فالاصطراخ: الصياح والنداء بالاستغاثة ) ) [3] . أمّا الفخر الرازي (ت 606هـ) فقد أَوضح ما يعنيه التصارخ بقوله: (( وهذا صوتُ المعذَّب. وفيه إِشارة الى أَنَّ ايلامهم تعذيب لا تأديب ) ) [4] . ومن قوله تعالى: (( يصطرخون ) )نتلمسّ الاستغاثة بلا مغيث مما يُوحي بأَنَّ الصراخ قد بلغ ذروته، والاضطراب قد تجاوز مداه، والصوت العالي الفضيع يصطدم بعضهُ ببعض حتى يرجع اليهم جوابُ ندائهم لا مغيثَ لكم. يقول سيد قطب: (( يطرقُ أَسماعنا صوتُ غليظ محشرج، مختلط الأَصداء، متناوح من شتى الأَرجاء، إِنّه صوتُ المنبوذين في جهنم. وجرسُ اللفظ يُلقي في الحس هذه المعاني جميعًا، فنتبين من ذلك الصوت الغليظ ماذا يقول؟ إِنّه يقول: ربَّنا أخرجنا ) ) [5] . يُلاحظ في قول سيد قطب اختيار الأَلفاظ التي تُوحي بالشدة ليقابل بوصفه تلك الشدة التي يحملها قوله تعالى: (( يصطرخون ) )يقول د. محمد حسين الصغير في الآية محل البحث: (( الصراخُ في شدَّة إِطباقه، وتراصف إِيقاعه مع توالي الصاد، وتقاطر الراء والخاء، والترنّم بالواو والنون، يمثّل لك رنّة هذا الاصطراخ المدوّي ) ) [6] . ومن

(1) التبيان في علم المعاني والبديع والبيان، لشرف الدين حسين بن محمد الطيبي (ت 743هـ) تحقيق: د. هادي عطية مطر الهلالي، عالم الكتب، مكتبة النهضة العربية، بيروت، 1987: 474.

(2) كتاب العين 4/ 185.

(3) التبيان في تفسير القرآن 8/ 434 و 22/ 433، مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 410.

(4) التفسير الكبير 26/ 29.

(5) في ظلال القرآن 22/ 133.

(6) الصوت اللغوي في القرآن 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت