الصفحة 65 من 301

حتى يتبيّن عظيم الشأن والردع، هذا ان ورد الكلام مرةً واحدة، فكيف به وتلك الايقاعات تردُ مرّتين؟ يقول سيد قطب: (( يُكررُ هذا الإِيقاع بألفاظهِ وجرسه الرهيب الرصين، ليزيد التوكيد عمقًا ورهبة وتلويحًا. بما ورائه من أَمرٍ ثقيل ) ) [1] . في هذه السورة تحذير ووعيد بالمصير الذي ينتهي اليه الكافرون [2] .

وبعد هذه الجولة السريعة لمواضع التخويف بدءًا من إِنزال العذاب فعلامات الساعة ثم المقابر فلنتأمل بعد هذا ماذا يكون لو بدأ الحساب وأُعطي أَحدُ كتابه بشماله وأُدخل مثواه الأَخير، نارًا تضطرم وقودّها الناس والحجارة، فأيُّ منظرٍ يصوّر لك هذا المعنى؟ أوضح تعالى ذلك بقوله: (( فكبكبوا فيها هم والغاوون ) )الشعراء -94. فلنتأملّ معًا قوله تعالى:"فكبكبوا"التي تُبين وضع هؤلاء القوم. قال الراغبُ الأَصفهاني (ت502هـ) : (( الكبكبةُ تدهور الشيء في هِوّةٍ ) ) [3] . وقال ابنُ منظور (ت 711هـ) : (( فكبكبوا اي: دُهْوِرُوا، وجُمِعُوا ثم رُميَ بهم في هُوَّة النار، وحقيقة ذلك في اللغة تكررالانكباب كأَنَّه إِذا أُلقي ينكبُّ مرةً بعد مرة حتى يستقرَّ فيها ) ) [4] . من هذين القولين يتبيّن أَنَّ كبكبوا لفظُ مضاعفُ وأَصلُه (كبَّ) كما في قوله تعالى (( فكبت وجوههم في النار ) )النمل/90. قال الراغب: (( الكبُ إِسقاط الشيء على وجهه، والإِكبابُ جَعْلُ وجهه مكبوبًا ) ) [5] . من هذا يمكن القول: إِنَّ كبكبوا تكرارُ الكبِّ مرةً بعد أُخرى، استنادًا الى قول الزمخشري (ت 538هـ) : (( زيادة البناء لزيادة المعنى ) ) [6] . قال الفخر الرازي (ت606هـ) (( الكبكبةُ: تكرير الكبِّ، جَعَلَ التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأَنَّه إذا أُلقي في جهنم ينكبُّ مرةً بعد أخرى حتى يستقرَّ في قعرها ) ) [7] . وإلى مثل هذا ذهب العلاّمة الطيبي (ت743هـ) بقوله: (( كرر الكب دلالة

(1) في ظلال القرآن 30/ 233.

(2) ينظر: علوم القرآن لمحمد باقر الحكيم، 220.

(3) المفردات في غريب القرآن 420.

(4) لسان العرب 2/ 697.

(5) المفردات في غريب القرآن 420.

(6) الكشاف 1/ 41.

(7) التفسير الكبير 24/ 152، البرهان في علوم القرآن 3/ 34 - 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت