قوله تعالى: (( الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون ) )التكاثر 1 - 3.
إذا انعمت النظر في اللفظتين (( التكاثر والمقابر ) )تجد حرفيها الأخيرين قد تشابها، ففي كلِّ منهما (الراء) ولم يكن هذا الاتفاق مراعاةً للفاصلةِ القرآنية فحسب بل شاركه. غرضُ اخرُ أَوضحته لنا الدكتورة عائشة عبد الرحمن بقولها: (( في المقابر سرُ بياني، أعيا المفسرين أَن يُدركوه. إِنَّ لفظ المقابر لم يأتِ قط في غير آية التكاثر، وقد تجد الصنعةَ البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرّد ملائمة صوتية للتكاثر، وقد يحسُّ أَهلُ الصنعة ونُحسُّ معهم فيها(المقابر) رنينُ الإِيقاع، وانسجامُ النغم، لكن أهذا كلّ ما في الاستعمال القرآني للفظ المقابر في آية التكاثر؟ الذي اراه أَنَّ وراءَ هذا الملحظ البلاغي اللفظي سرُ بيانيُ يتصلُ بالمعنى، فالمقابرُ جمعُ مقبرة، وهي مجتمع القبور، واستعمالُها هنا ملائمُ لهذا التكاثر ( ... ) حيثُ مجتمع القبور ومحتشد الرمم ومساكن الموتى ( ... ) لايمكن أن يقوم بها لفظ القبور، بما هي جمع لقبر، وما بين قبر ومقبرة من تفاوت يتجلّى البيان القرآني في إِيثار المقابر على القبور، وهذه ملائمة معنوية بين التكاثر والمقابر بما فيها من سعةٍ وشمولٍ وعموم )) [1] ، إِنَّ هذا اللفظ (المقابر) يفرضُ نفسه فرضًا قاطعًا؛ لما فيه من دلالة مرعبة هائلة، فإذا ضممنا مقبرة الى مقبرة اخرى ومقبرةَ مثلها ازددنا إِيحاشًا ورعُبًا، وفزعًا، فاذا أَصبحت مقابر عديدة تضاعف الرعب والرهب [2] . وبعد هذه الزيارة تقرعُ القلوبُ بهولٍ ينتظرها وهذا الهول يرد في ايقاع عميق يتمثل بقولهِ تعالى (( كلا سوف تعلمون ) ). و (كلا) كلمة الردع [3] ، اجتمع فيها حرفان: الأَوّلُ مهموس، والثاني: مجهور، فحرفُ تحبسُ الهواء معه وتُطلقُه عند مجاورهِ، كما يمكنك مدّه عند مقطعه الأَخير (الألف)
(1) التفسير البياني للقرآن 180 - 181.
(2) يُنظر: تطوّر البحث الدلالي، دراسة تطبيقية في القرآن الكريم، محمد حسين علي الصغير، استاذ الدراسات القرآنية في جامعة الكوفة، دار المؤرخ العربي، بيروت لبنان، ط1، 1999:55.
(3) التفسير الكبير 31/ 87.