من المعلوم أَنَّ القيامة تستدعي بعث الموتى من القبور ليقفوا أمام بارئهم، وكُلُّ يأخذ جزاءه، هذا المعنى المخيف أَوضحه تعالى بقوله: (( أفلا يعلمُ إِذا بُعثِّر ما في القبور وحُصِّل ما في الصدور ) )العاديات 9 - 10. من الواضح أَنَّ الآيتين الكريمتين اعتمدتا لفظة (بعثر) لتفيد الإخراج من القبور. هذه المفردة تدلُّ على الهوس والضجيج، وعدم الصفاء، وبهذا الوضع المبعثر يُكشفُ النقاب عمّا يكمن في صدور من بُعثرت مساكنهم، وهذا الكشف قرره تعالى بقوله: (حُصِّلَ) ، والتحصيل إِخراج اللب من القشور كإِخراج الذهب من حجر المعدن والبُّرِّ من السنابل، فهو إِظهار لما فيها كإظهار اللُّب من القشر، او كإظهار الحاصل من الحساب [1] . قال الطبرسي (ت548هـ) : (( وحُصّلَ ما في الصدور إِشارةُ الى الزجر والوعيد ) ) [2] ، من هذين القولين يتضحُ أَنَّ التحصيل يُفيد معنى الإِخراج والإظهار اللذين يحتاجان الى جهدٍ ومشقة فاستخراج الذهب من الحجر، واستخراج الحَّبِّ من السنابل التي مقرُّها التراب، هذا ما لايبلغهُ بشر لولا مساعدةُ الخالق وعطفهِ، وكذا الحال في إِخراج ما في الصدور حيث لا يقدر عليه احد الا الله جلّت قدرتُه، ولايحتاج الى أيِّ عونٍ فالمادةُ الصوتية لـ (حُصِّلَ) تتوافق مع دلالتها؛ لما فيها من (( صوتْ مدوّي، اذ كانت الصادُ واضحةَ الصورة من المخرج الصوتي( ... ) ، وواضحة الظهور بانكشاف الأمرِ، يقهره على الأذعان، وهنا قد يمتلككُ العجبُ لدى اختيار هذا اللفظ في أزيره، ووضوح أمرهِ، والصّادُ المشددة كانت دلالتها الصوتية. وارادتها المعنوية أوضح لزومًا، وأَشدُّ استظهارًا واكثر انعامًا ( ... ) والصوتُ في صيغةِ الإرعاب، وفي سياق الوعيد، وقد تلمس ما فيهِ من نزع ما في القلوب من أَسرار، واستخراج ما فيها من خفايا، وقد يُعطي دويُّ العبارة، وهيكلُ البيان صبغة الإِنذار )) [3] ومن ذكر القبور وهولها ومخاوفها يطالعك
(1) ينظر: المفردات في غريب القرآن 121.
(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 10/ 530.
(3) الصوت اللغوي في القرآن 181.