الثانية: كلمةُ النقر حينُ تّذْكر تُثير حولها معاني ذات وحي نفسي تؤكّد شدّة وقع النفخ الذي تُعنيه، وذلك إِنَّ هذه الكلمة (الناقور) وإنْ كانت تعني النفخ في هذا المقام، إلاَّ أن لها معنى آخر لعلّه المعنى الأَصلي وهو القرعُ المفضي للنقب. وتُحيط بهذه الكلمةِ ظلاِلُ قارعِةُ نفاذّة، توحي بأنَّ النفخ شديدُ رهيب يكاد ينقبُ الأَذنَ نقبًا )) [1] . ومن هذا الإِيضاح تستنتج هول لفظة (الناقور) التي منحتها أحرفها هذا الهول. ومما يمكن ان يوضع في هذا المحل من ذكر هول القيامة، قوله تعالى (( فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ) )البلد 11 - 16.
لو تدبّرنا قوله تعالى (اقتحم العقبة) نجد قوله (اقتحم) أَنسبَ الأَلفاظ للعقبةِ لما بينهما من تلاؤمٍ في الشدة والمجاهدة واقتحام المصاعب. ولو أعدنا النظر ثانيةً في الالفاظ (( العقبة(وهي تتكرر مرّتين) رقبة، ومسغبة، ومقربة، ومتربة ))نجد ايقاعًا مجلجلًا، ونبراتُ صوتيةُ رتيبةُ في نسق متوازن وأَصداءً صوتية متلاحقة في زنة متقاربة، وزادتها هاءُ السكت رنةً وتأثيرًا يتناغمان وسطَ الشدة الهائلة المرعبة، والخيفة من الحدث النازلِ المتوقّع، فكلُّ هذه تتعانق معًا لتوحي بالرهبة والفزع [2] ، مضافًا الى هذا الإِبهام الذي ذُكرَ في الآية، تكرار لفظة الاقتحام وإن كانت مستترة. قال الزجاج (ت316هـ) : (( وما ادراك مالعقبة -اي: اقتحام العقبة ) ) [3] .
وحين أسمعُ هاء السكت في أواخر هذه الكلمات (العقبة، رقبة، مسغبة، متربة) (( ذلك الصوت المهتوت لما فيه من الخفاء ) ) [4] يتبادرُ لي أَنَّه جاء ليصوّر لنا مشهدَ الضعف والتعب، والحيرة، وانشغال كل امرئ بنفسهِ.
(1) بحوث في تفسير القرآن (سورة المدّثر) ، الاستاذ جمال الدين عيّاد 50 - 51.
(2) ينظر: الصوتُ اللغوي في القرآن 151.
(3) اعراب القرآن المنسوب للزجاج، تحقيق ودراسة: إِبراهيم الإِبياري، الأَميرية، القاهرة، 1963م: 1/ 94.
(4) ينظر: سر صناعة الاعراب 1/ 74.