يقول عبد الكريم الخطيب في الآية محل البحث: (( إِنها قطعةُ معجزةُ من روائع النغم ومتساوق اللحن، تنسابُ منها الأنغامُ علويّة في قِوّةٍ آسرة كأَنها نشيد حرب، يدقُّ به الجنود أَبواب المعركة. إنَّ من يستمع الى هذه الآيات ممن لايُحسنُ العربية يطربُ لها كطربه الى أَلحان الموسيقى وأنغامها، ويستشعر فيها نُذُر التهديد والوعيد ) ) [1] . فما بالك بأَئمة القول وفرسان الفصاحة؟ فلنتأمل من هذه الأَلفاظ حتى تكون الصورة أكثر جلاءً. ولتكن لفظة (الناقور) ؛ لأَنها لم ترد في الكتاب العزيز إلاَّ في هذا الموضع [2] من جهة، ولأَنَّها من مقدّمات حلول الساعة الذي الباحثُ بصدد ذكره من جهة أخرى، وقد أفاد. الراغب الأصفهاني (ت502هـ) أَنَّ النقرُ في معانيه: التصويت. إذ يقول: (( نقرتُ الرجل إذا صوّتَ له بالسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بفقرة حنكك ) ) [3] وقد صرّح سيد قطب في بيانه للناقور قولًا يُبين فيه الايحاء الذي يوصيه (الناقور) فقد قال: (( والنقرُ في الناقور هو ما يُعبّر عنه في مواضع أُخرى بالنفخ في الصور، ولكنَّ التعبير هنا أَشدُّ إِيحاءً بشدة الصوت ورنينه، كأَنَّه نقر بصوّت ويدوّي، والصوت الذي ينقرُ الآذان أَشد وقعًا من الصوت الذي تسمعه الآذان ) ) [4] . من هذين القولين يتبين أَنَّ النقر يدلُّ على الصوت العالي المخيف، لذا كان له أثرُ في اختيار لفظ الناقور ليُدّقَ به طبلُ الحرب (كما عُبِّر عنه قبل قليل) ليتبين أَنَّ النفخ والصوت مُفْزِعان وشديدا الوقع في الأُذن. لقد فسّرَ الأُستاذ جمال الدّين عياد ما يكمن وراء شدة لفظ الناقور بنقطتين:
(( الاولى: إِن حرف القاف حرف ثقيل، يستلزم النطق به ما يُشبه القرع المفضي إلى النقب، وكأَنَّ الناطق به يدقُّ اعلى الحلق دقًا، وهو كذلك ثقيل على السمع يكاد يخرق الأُذن خرقًا.
(1) اعجاز القرآن، عبد الكريم الخطيب، الكتاب الثاني / 23 - 24.
(2) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: وضعه محمد فؤاد عبد الباقي، مطابع الشعب، مصر، 1378هـ: 717.
(3) المفردات في غريب القرآن 503.
(4) في ظلال القرآن 29/ 187.