قال تعالى: (( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأَرض والجبالً فدكتا دكةً واحدة ) )الحاقة 13 - 14. وقال تعالى: (( كلا اذا دكت الأَرضُ دكًا دكًا ) ).
يُلاحظ أَنَّ الآيتين الكريمتين اختارت (الدّك) . وفي الموضع الأَول كان نتيجة للنفخ والحمل، وفي الموضع الثاني كان شرطًا لقيام الساعة. فما الذي تُعنيه هذه المفردة؟ قال الخليل (ت 175هـ) : (( الَّدكُ( ... ) كَسْرُ الحائط والجبل )). [1] وقال الراغب الأَصفهاني (ت 502هـ) : (( الَّدكُ: الأَرضُ اللينة السَّهلة، وقد دكّت دكًا، أَي: جُعِلَتْ بمنزلة الأَرض اللينة ) ) [2] . من هذا يتّضحُ أَنَّ هناك لفظة يمكن أَن تُعطي ما أُعطته لفظة الّدكَ، وتلك اللفظةُ هي الدَّق، إلاَّ أَنَّ القرآن الكريم اختار الدَّكَ لا غيرها من الأَلفاظ؛ لأَنَّ في الأَولى (( معنى الضرب، أَي: ضربُ الأشياء بعضها ببعض حتى تتفتت الجبال وتنسفها الرياح وتبقى الأَرضُ شيئًا واحدًا لا جبلَ فيها ولا رابية ) ) [3] . وهذا (( المعنى لا يحققه الدق ) ) [4] . ومن التخويف من يوم القيامة قوله تعالى (( والرّجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر، فاذا نُقِرَ في الناقور فذلك يومئذٍ يومٍ عسير على الكافرين غير يسير ) )المدّثر5 - 10.
وقال تعالى (( سأصليه سقر، وما ادريك ما سقر، لاتبقي ولا تذر، لوّاحةُ للبشر ) )المدثّر26 - 29.
لقد جاء التخويف في هذه الآيات المباركة بإسلوب لم يكن غريبًا عن القرآن الكريم، فقد اُختيرت الأَلفاظُ المرعبة، المخيفة التي تحفزّ النفسَ خوفًا وطمعًا. إِذا أَنعمت النظر في الأَلفاظ"الرجز- وقد سبق بيانه- [5] والناقور، وعسير، وسقر، وتذر، وبشر )) تجدها ألفاظًا توحي بالشدةِ والهول، أدّت وظيفتها التي وجدت من أَجلها، ولو حاولنا استبعاد ايَّ لفظٍ من هذه الألفاظ لنأتي بنظير له أَحسسنا بضعف الإِيقاع وتضاؤلِه امام اللفظ الأوّل."
(1) كتاب العين 5/ 274.
(2) المفردات في غريب القرآن 171.
(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 10/ 346.
(4) التفسير الكبير 30/ 108.
(5) راجع الصفحة ... من الرسالة.