ومن مواضع الذكر الحكيم التي حَذَّر تعالى عباده فيها من النفس البشرية التي أُلهمت التقوى والفجور قوله تعالى: (( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها ) )الشمس7 - 8. وفي السورة ذاتها حذَّر تعالى عباده من اقتراب المعاصي التي نُهوا عنها والتي يستحقون على مخالفتها إنزال العذاب عليهم. ومن المعاصي التي نُهوا عنها عقر الناقة، فقد جاء هذا المعنى في الذكر الحكيم معتمدًا أسلوب التحذير المعروف عند النحاة، قال تعالى: (( فقال لهم رسولُ الله ناقةُ الله وسقياها ) )الشمس 13. أنعم النظر في قوله: (سوّاها) ، (تقواها) ، (سقياها) تلاحظ حرفي العلّة الواو والأَلف قد تجاورا في لفظتي (سوّاها وتقواها) كما تلاحظ الياء والأَلف تجاورا في قوله: (سقياها) ، وكلا الحرفين المتجاورين (الواو والأَلف والياء والأَلف) من أَحرف العلّة، وقد أُطلقا في الأَمثلة دون دوّي أَو ضوضاء، ووصلا الى الأَسماع مؤثرين تأثيرًا تلقائيًا في الوضوح والصفاء. يقول الدكتور محمد حسين الصغير: (( نجد استطالة هذين الحرفين -(الواو والأَلف) ، (والياء مع الأَلف) في كلا الموضعين لا يَصدُّهما شيءُ صوتيًا، وهما يتراوحان دلاليًا في ألفاظ تحتكم الشّدة واللين. فالتذكيرُ بخلق النفس الإِنسانية قسمًا، الى جنب عملها في الفجور، والتقوى، والتحذير من الناقة الى جانب التحذير من منع السقيا )) [1] . فكلُّ هذه المعاني اجتمعت باجتماع أحرف العلّة. وتتكرر الحالةُ ذاتُها في مجاورة الأحرف المتماثلة لكن هذه المرة في الصوامت فعندما تقرأ قولَّه تعالى: (( ولئن اذقناه نعماءَ بعد ضرّاء مَسّتَهُ ليقولنَّ ذَهَبَ السيئاتُ عني ) )هود 10، وقولَه تعالى: (( ولئن مسّتهم نفحةُ من عذابِ ربِّك ليقولنَّ ياويلنا إنَّا كنا ظالمين ) )الأنبياء 46. وقال تعالى: (( وايوبُ اذ نادى ربَّه أَني مسني الضرُّ وأنتَ ارحمُ الراحمين ) )الانبياء 83.
قال الزبيدي: (( ومن المجاز المسُ: الجنون ) ) [2] . من هذا يتبيّن أَن لفظة (مسَّ) تُستعمل لما فيه المصابُ والأّذى. ولو تأملنا سويّةً هذه اللفظة نجد أَنها جمعت حرفين مهموسين أولهما مشدد وقد أَعطى الصوتان نغمًا رقيقًا وأزيرًا حالمًا الى جنب الغلاضة
(1) الصوت اللغوي في القرآن 183.
(2) تاج العروس: 16/ 506.