يُفيد العبرة قوله تعالى (( ضرب اللهُ مثلًا رَجُلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجُلٍ هل يستويان مثلًا الحمدُ لله بل اكثُرهم لايعلمون ) )الزمر 29. وأنت تلاحظ الآية المباركة قرّبت لنا صورة من صور الواقع، فهل الرجل المتشاكس يتساوى مع الرجل السوي؟ وفي هذا المثل عُمِدَ الى لفظة (متشاكسون) دون غيرها؛ لما فيها من إِيحاء الى معنى أَراده المثل، ودلالة صوتية مالم تحققها مفردةً سواها. فلننعم النظر في هذه اللفظة، قال الراغب الأَصفهاني: (( متشاكسون، أي: متشاجرون لشكاسة خلقهم ) ) [1] . أَمّا الفخر الرازي (ت 606هـ) فقال: (( المتشاكسون المختلفون العسرون،( ... ) ، وهو رجلُ شكس، ( ... ) ويُقال: الليلُ والنهار متشاكسان، أي: إِنّهما متضادان، إِذا جاء أَحدّهما ذهب الآخر، وهما اللذان لا يتفقان )) [2] . هذان البيانان يوضحان ما تحمل لفظة (متشاكسون) من شدة في الخصومة والجدل، وقد اختارها القرآن الكريم؛ لما رأى فيها من دلالة على التضاد وعدم الاتفاق مطلقًا بين الخصمين و (( إِنَّ الدلالة الصوتية لـ"متشاكسون"أَعطت معنى النزاع المستمر لمِا جمعته من حروف التّفشّي والصفير(السين والشين) تعاقبًا تتخللهما الكاف من وسط الحلق، والواو والنون للمّدِّ والترنّم والتأثّر بالحالة، فأعطت هذه الأَحرف مجتمعةً نغمًا موسيقيًا خاصًّا حمّلها أَكثر من معنى الخصومة، والنقاش، بما أكسبها أَزيرًا في الأذن يبلغ به السامع أَنَّ الخصام ذو خصوصية بلغت درجة الفورة، والعنف، والفزع من جهة، كما أُحيِطَ السَّمعُ بجرس مهموس معيّن ذي نبرات تؤثّر بالحس والوجدان من جهة أَخرى )) [3] . لهذه الاسباب عمد القرآن لـ (متشاكسون) ليتبين الفرق جليًا بينه وبين الرجل السوي. ومن المثل القرآني يطالعك قوله تعالى: (( مثلُ الذين اتخذوا من دون اللهِ اولياءَ كمثلِ العنكبوت اتخذت بيتًا وإِنَّ اوهنَ البيوتِ لبيتُ العنكبوت لو كانوا يعلمون ) )العنكبوت41.
(1) المفردات في غريب القرآن 266.
(2) التفسير الكبير 26/ 277.
(3) الصوت اللغوي في القرآن 167.