الصفحة 55 من 301

ومما لايخفى عليك أنَّ الله سبحانه ضرب العديد من الأَمثلة في كتابه العزيز وترك لنا استنتاج العبرة والمواعظة من ذلك المثل. فلنتأمّل معًا بعض أمثلة القرآن وما جاء فيها من الفاظ توحي على معناها من تركيبها الصوتي.

قال تعالى: (( وضرب اللهُ مثلًا رجلين احدُهما أبكم لايقدر على شيء وهو كلَّ على مولاه اينما يوجهه لايأت بخيرِ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم ) )النحل 76.

أَنعم النظر في قوله تعالى: (( كَلُّ ) )تجد اللفظة صارخة لها وقعُ ثقيل استعملها القرآن لإضاءة المعنى لما فيها من غلظةٍ وشدة أحدثهما صوتُ الكاف. والكافَ في العربية من الحروف الشديدة الانفجارية، وهو مهموس، وصوت اللام من حروف الأَسنان واللثة، وهو مجهور متوسط بين الشدة والرخاوة [1] . فحين اجتمع في الكلمة حرفان أَحدّهما مهموس ومجاورُه مجهور هذا يعني انه اجتمع صوتان مختلفان لكلِّ منهما طبيعةُ خاصةُ، والجمع بين هذين الصوتين يقتضي أن يُعطي غضوَ النطق كلَّ صوتٍ حَقّهُ، وفي ذلك عُسِرُ لا يخفى، (( فإذا تألفت كلمة، وقد تجاور فيها صوتان أحدُهما مجهور والآخرُ مهموس، فما يزال احُدهما يؤثّر في الآخر حتى يصيرا مجهورين معًا، او مهموسين معًا ) ) [2] . وحينَ تنْطقُ هذه الكلمة (كَلُّ) تكون بين حرفين: أَحدهما تُجري الهواءَ معه- وهو المهموس، وآخر تحبس الهواء معه -المجهور- ويُزيد تشديد اللام اللفظة عسرًا وغلاظة ومن هنا (( تُدرك سَرَّ اجتماع الكاف المهموسة، واللام المجهورة في هذا اللفظ، وما فيهما من عُسْرٍ يدلُّ على عُسْرٍ المعنى وغلطته ) ) [3] . يقول احدُ الباحثين: (( لقد عَمِدَ القرآن الى هذه اللفظة دون سواها لما حملته من شدّة وثُقل نتج من اجتماع حرفيها الكاف واللام فإطباق اللسان على اللهاة مع ضمِّ الكاف الى اللام المشددة ينجم عن ذلك رنّة في النفس، ووقع على السمع، ليوحي من وراء ذلك بأنَّ هذا العبد سؤومُ لاخيرَ معه ) ) [4] ومن المثل القرآني الذي

(1) ينظر: سر صناعة الاعراب 1/ 69.

(2) في النحو العربي، قواعد وتطبيق على المنهج العلمي الحديث، الدكتور مهدي المخزومي، مصطفى البابي، مصر، ط1، 1386هـ، 1966م: 8، ينظر: الدراسات الصوتية عند علماء التجويد 404.

(3) الصوت اللغوي في القرآن 191.

(4) الصورة الفنية في المثل القرآني 239/ 240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت