من خلال هذه المعاني يتبيّن أَنَّ (( أَصلَ الرِّجز الاضطراب. فتلمسُ فيه الزلزلةَ في ارتجاجها، والهدّةَ في حدوثِها، والنازالةُ في وقوعها، ونستظهر من الرّجز الإِرسال والإِنزال من السماء بضرسٍ قاطعٍ، وأَمرٍ كائن باعتبار -الرجز- آخر العلاج بعد التحذير والإِنذار ) ) [1] وما هو قريبُ من هذا قولهُ تعالى: (( إنّما الخمرُ والميسرُ والأَنصابُ والازلم رجسُ من عمل الشيطان فاجتنبوه ) )المائدة 90.
وقال تعالى: (( قال قد وَقَعَ عليكم من ربَّكم رجسُ وغضبُ ) )الأعراف 71.
وقال تعالى: (( وأما الذين في قلوبهم مرضُ فزادتهم رجسًا الى رجسهم ) )التوبة 125.
وقال تعالى: (( ويجعل الرجسَ على الذين لا يعقلون ) )يونس 100.
قال الراغب الاصفهاني (ت502هـ) : (( الرِّجسُ: الشيء القَذِر، يقالُ: رَجُلُ رِجْسً، ورِجالُ أَرْجاسُ ) ) [2] . وقد ذهب ابنُ منظور الى ما ذهب اليه سابقه بقوله: (( الرِّجْسُ: الَقَذَرُ. وقيل: الشيء القذرُ، والرِّجس: العذابُ كالرِّجْز، وقيل: إنّه العقابُ والغضب ) ) [3] . هذه الاستعمالات كلها متواكبةُ دلاليًا مع ترصّد العذاب وصبّهِ وإِنزاله، وهذا لا يُمانعُ أَن تضاف للرجس جملةُ من المعاني الأُخرى لإرادة الدنس، والقذارة، ومرض القلوب، وحالات النفس المتقلّبة، فالصوت في المعاني كلها صوت نزول العذاب، والصدى المرافق له ذاتُ الصدى [4] . مما سبق يتبيّن لك أَنَّ تعالى حين أراد ذكر إِنزال العذاب عَمد الى لفظتي (رجز، رجس) ولا يخفى عليك التقارب في الفردتين من حيثُ المعنى والمبنى، فلنتأمل ذلك التقارب. اذا انعمت النظر في المفردتين (رجز) و (رجس) تلاحظ أنّهما اشتركتا في التكوين البنيوي والمعنوي. فالرجْسُ مكونةُ كتكوين الرِّجز، فكلتاهما من الراء والجيم. والسين كالزاي من حروف الصفير شديدةُ الاحتكاك في مخرج الصوت ولها
(1) الصوتُ اللغوي في القرآن 179 - 180.
(2) المفردات في غريب القرآن 188.
(3) لسان العرب 7/ 94.
(4) ينظر: الصوت اللغوي في القرآن 180 - 181.