أن تحمل دلالات التحذير بل بقي بعضها يُفيد معناه الأَصلي، كما تبيّن أَنَّ القرآن الكريم حين يعمد الى تقديم أَحد اركان التحذير على الآخر إِنما يكون ذلك اهتمامًا بالأَمر المقدَّم، أمّا في حالة حذف أَحد الأركان فإِنَّ التحذير يُركّز اهتمامهُ على الأَمر المذكور. ولا يمكن إِغفال أَنَّ لفظة (نذر) واشتقاقاتها في مواضع ورودها لم تخرج من إفادة دلالتها المعجمية، إلاَّ أَنَّ المفسرين توسّعوا في إفادتهم لهذه اللفظة في تقريرهم الفسحة الزمنية بين الإِنذار وبين نزول العذاب وهذا مالم يقرره المعجميون امّا إفادة (خشي) فلم تقتصر على التحذير فحسب بل أفادت الى جنبه الترغيب فتحذّر من الله سبحانه وتخوّف من عذابه وترغّب في طاعته وتحثُّ الناس عليها. وقد خصّت بعض مواضع التحذير الضمني من ينتفع بالإنذار والتحذير وأَهملت ذكر ما سواه، وهذا تحذيرُ ضمني لمن أُهمل ذكرُه، فتحذيرُ ضمني للظاهر في الآية المباركة وتحذيرُ ضمني لمن لم يُصرّح به يتوصل اليه بالإِنعام والتأمل. والحال ذاتها بالنسبة لـ (خوف) فلم يرد بها مجرّد التخويف، بل أفادت دلالة الترغيب أيضًا.
إِذا ما نظرنا نظرةً فاحصة تُليق بمقام القرآن الكريم ومكانته في البيان العربي لاحظنا اعتماده لإِفادة التحذير في المواضع التي ذكرت أنباء الغيب وما جرى بين الرُسُل وأُممهم لاسيما العاقبة التي آل اليها المنذرون، أو التخويف مما يُفسد الحياة وينحو بها نحو التسافل لاسيما في آيات الأَحكام أَساليب الخطاب المباشر، كالأَمر، والنهي، والنداء، والاستفهام. فكلُّ من هذه الأَساليب له تأثير في نفس متلقّية إذ يساعد على تأجيج المشاعر وتحفيز الهمم فيعمل على تكوين رد فعل آني له بالغ الاهتمام عند متلقّيه باستدعائه الى الإِنعام في ذلك الخطاب؛ لأَنَّ الأُسلوب الخطابي يحتاج الى استدلال عقلي وتأمّل يجعل الخطاب ذا قدرة على الاقناع القائم على أُسس استنتاجية؛ لما تصوّره الخطابات من أَحداث عن طريق الكلمات ونقلها الى ذهن المخاطب وبهذا تعمل على تقوية الظّن في نفس المتلقي وتُوصله الى مرتبة اليقين. وإذا ما تأمّل المخاطب اليقين الذي صنعه الخطاب المباشر ووصل الى استنتاج الدلالة منه سيثار الرعب في نفسه، وتضطرب له هواجسه وبهذا يكون للاستنتاج الأَهمية البالغة عند من توصل اليه وحثه على السير بخُطى الدلالة التي حملها الخطاب.