الصفحة 285 من 301

منهجهم التقعيدي لما حُفِظت مفردات اللغة ومعانيها، الا أَنَّ الاقتصار على هذا المنهج في القرآن يحول دون الوقوف على الدلالات البلاغية التي تحملها معاني المفردات، وهذا يقتضي الإِنعام في الابنية من جهة مضافًا الى الانعام بدلالة السياق من جهة ثانية حتى يتم رصد الدلالات التي وظِّفت لها دلالة البناء المدروس. وقد لُوحِظ هذا المنهج أحيانًا عند بعض المفسرين القدامى يمكن أن يكون الشيخ الطوسي من أوائلهم. والحالُ ذاتها تتكرر في دلالة بناء على أخر للوصول الى دلالة التحذير. ومما ينبغي ذكره أن البناء الأَصلي يُعطي معنى التحذير الا أَنَّ البناء الثاني أُتي به ليضفي على التحذير صفتي التهويل والتفخيم. وكلمةُ الفصل في هذا الفصل: إِنَّ إفادة التحذير في المستوى الصرفي تتم باستقراء معاني السياق وإذا ما اُستنتجت دلالة السياق يُنْعَمُ النظر في الصيغة الصرفية الأَكثر إذكاءً في ذلك السياق لاستقراء معانيها ثم إقامة الأَواصر بين الدلالتين: السياقية وبنية الصيغة الصرفية وبهذه الطريقة تُستنتج الدلالة المبتغاة وتجعل الصيغة عنوان الدراسة.

أمّا في التحذير الصريح فقد تبيّن أَن أُسلوب التحذير لم يرد في القرآن الكريم الا في موضع واحد، أَما التحذير بلفظ (حَذَرَ) فقد كان له النصيبُ الأَوفى من حيث الذكر، وقد جاء السياق الذي ورد فيه لفظ (حذر) او أحد اشتقاقاته مليئًا بالأَساليب التي تُفيد التهديد والوعيد، فالأَمُر، والنهي، والاستفهام، كلُ أُخرج من معناه لإفادة التحذير فضلًا عن التأكيد الذي ورد في بعض المواضع. ومما يُلاحظ أَن هذه الأَساليب سبقت التحذير من حيث الذكر، فالآية تستدعي انتباه المتلقّي وتشد ذهنه بمعاني التهديد والوعيد ثم يتلوها التحذير، ولم يقتصر الأَمر على الأَساليب بل تعدّاه إلى التعابير التي يوحي ظاهرها بمعاني الرأفة والرحمة، الا أَنها لمّا جاءت في سياق التحذير أفادت دلالته. ومما يلاحظ في هذا الفصل أَنَّ التحذير جاء مسوّغًا أَي إِن موضع الضرر الذي من أَجله سبقَ التحذير قد بُيِّنَ وبُيِّنَ العقاب الذي ينتظر المخالف، وما هذه المعاني الا لتضفي دلالات الشدة والهول على التحذير فضلًا عن كونه صريحًا. وهذا يجعل السياق الذي يرد فيه لفظ (حذر) او اشتقاقاته سياقًا ترهيبيًا بحتًا يبثُّ الرعب والهول في نفوس متلقّية. أمّا التحذير الضمني فقد كان أَقلُّ شدة من التحذير الصريح، فلم يشرط في الأَساليب الواردة في سياقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت