أما المستوى الصرفي فأَبرز ما لاحظ الباحثُ فيه أَنَّ العربية لم تخصص بناءً من أبنية مفرداتها لإِفادة التحذير. ولا أزعم أَني قمتُ بالاستقراء التام، الا أَنَّ التتبع والبحث المتواضعين في كُتُب الصرفيين واللغويين وما أورده المفسرون حملني على هذا القول، فلم ألحظ تصريحًا أو تلميحًا الى دلالة بناء من زخم الأَبنية ومعانيها أُريد منه التحذير. إلاَّ أني رأيت السياق القرآني هو الذي يخلق للبناء دلالته لذا ينبغي علينا الإنعام في السياق من كافة جوانبه زمانية، ومكانية، وغيرها مضافًا إلى معاني الصيغة الصرفية المراد دراستها، فإذا ما سلّمنا بأَنَّ السياق يُفيد التحذير اكتسب البناء معناه من السياق مضافًا إلى الدلالات التي يُفيدها البناء ذاته التي تتوافق وفائدة التحذير، وبهذا سيكون للسياق أَثره في منح البناء الدلالة ويكون للبناء أَثرهُ في إِضفاء الشدة والتأكيد على الدلالة، لذا حاولت في هذا الفصل استجلاء المعاني التي تؤديها الصيغة الصرفية في سياق التحذير وذلك من خلال الموافقة بين المعنى الصرفي للصيغة المعتمدة والسياق الذي جاءت فيه، وقد استطاع البحث - كما أحسب- الكشف عن الدلالات الناتجة عن التوظيف البلاغي التي تخدم الغرض المدروس، وهذا يصدق على الأَبنية التي تعرّض اليها الباحث بالدراسة مثل (فَعَلَ، يَفْعَلُ، اسم الفاعل، .... ) فبناء (فَعَلَ) لا يُعطي دلالة التحذير إلاَّ بعد أَن يُجعل المستقبل ماضيًا وتصوّر أَحداثُه وما فيها من مشاهد مخيفة وكأنها قد شوهدت من قبلُ، ولا يتمُّ هذا الا بتظافر السياق مضافًا اليه معان بناء (فَعَلَ) ، والحال ذاتها لبناء اسم المرة، إذ تُلتمس منه دلالة التحذير بالنظر الى السياق أولًا. إذ أنَّ المخاطب يقول: إِذا كان المحذَّرُ منه فُعِلَ مرّة واحدة فكانت العاقبة العقاب، فكيف إذا فُعِلَ مرات عدة؟ وبالنظر الى معنى اسم المرة ثانيًا. مما هو واضح في هذه الدراسة وغيرها أَنَّ الصرفيين واللغويين القُدامى والمحدثين أَفادوا لكل صيغة صرفية معنى خاصًا بها، أو عدد من المعاني تتجمّع حول صيغة صرفية واحدة، وهذا منهج معياري أَلزم فيه العلماء أَنفسهم، الا أَنَّ بعض مواضع الذكر الحكيم خرجت من هذا المنهج لتخطَّ لنفسها دلالات غير ما أُفيدت من قبلُ، وهذا يتضح من قوله:"يخادعون الله"البقرة 14، فالمخادعة مُفَاْعَلَة ومعنى الصيغة التشارك بين اثنين فأكثر، إلاَّ أَن السياق القرآني لم يرضَ بهذه الدلالة وأَفاد أخرى وهي أَنَّ المُفَاْعَلَة جرت من طرف واحد فالفردُ ذاتهُ يخدع ذاته. وهذا لا يعني لومًا للسابقين فلولا