الصفحة 283 من 301

توالي حرفي الإِطباق، ومنها ينتج عن تقليب أحرفه كل شيء مكروه وذلك الزقوم. فما مخارج هذه الأَصوات واصطكاكها في جهاز السمع الا لتؤدّي إِعلانًا صريحًا عن الأَحداث المنتظرة لذويها، فالأصوات المدوّية تجمعت لتكون أنغامًا صارمة تجد لها وقعًا خاصًا في الأذن والأَنغام كونت ألفاظًا موافقةً لمواقعها، فالجزئيات اجتمعت لتكون الكليات لإفادة دلالات التحذير بكل معانيه. أمّا الفاصلة القرآنية فقد كان للوقوف عند حرف معيّن منها وتكرار هذا الحرف الأثر الكبير في استدعاء المتلقي للتأمل في مواضع الوقف لاسيما وإِنَّ الجرس الموسيقي ذاته يتكرر حينًا بعد آخر. اما الانتقال من حرف الى آخر فيجعل المتلقي ينتقل مع المعاني الى أَن يصل الى المراد وهذا ما تجلّى بأبهى صوره في سورة اللهب إذ انتقلت الفاصلة من الباء الى الدال وهذا يعني أنَّ الانتقال يتم بين الأَحرف المتقاربة.

أمّا الزيادة في الفاصلة فأُريد منها التفات المتأمل والانعام في غرض تلك الزيادة فزيادة الصوت الضعيف المهتوت (الهاء) في ما هية، حامية، راضية، كتابية، ... جاءت منسجمة مع عرض الآيات لأحداثها فزيادة الحرف الضعيف تُفيد زيادة ضعف وهشاشة من يشهد تلك الأحداث. اما زيادة الألف في (الظنونا، الرسولا، السبيلا) فلها الأَثر البعيد في إِضفاء الشدة على الألفاظ لاسيما وان الزيادة اعُتمِدت ألف الإطلاق.

ماحوته الفاصلة القرآنية على تباين أضربها تجعل قارئ القرآن لا يملّه على طول التلاوة؛ لما تحققه من جمال صوتي يحدث نغمةً موسيقيةً لها وقعها في النفس لما ينشأ عنها من تناغم لفظي بسبب موسيقى الحروف داخل الفاصلة والذي يشكل إيقاعًا مع الفواصل الأُخرى، فيجعل انغام الرهبة والفزع تتكرر الواحدة تلو الأُخرى مما يضفي على الدلالة المبتغاة الشدة والصرامة اللتين لاتخفيان على أحد. وكلمة موجزة أطوي بها الحديث عن المستوى الصوتي أَقول: كان اعتماد القرآن الكريم الإِيقاع الصوتي للحروف في تجسيم الحدث بمثابة الموسيقى التصويرية التي ترافق المشاهد المعروضة، فالقرآنُ يعرض المشهد وموسيقاه مرافقةً له يعيها من له دراية في الأَصوات، وبهذا يكون الحدث صورة تُشاهد وصوتًا يُسمع مما يزيد تحفيز متلقّيها خوفًا وطمعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت