الصفحة 278 من 301

ومن العقوبات التي أمر الله بها قطعُ اليد لمن يثبت أنه سارق، قال تعالى: (( والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما ) )المائدة 38. صرّح الطبرسي في الآية محل البحث أنَّ تقديم السارق على السارقة؛ لأَنَّ السرقة عند الرجال أكثر مما هي عليه عن النساء فقد قال: (( بدأ بالسارق هنا؛ لأَنَّ الغالب وجود السرقة في الرجل، وبدأ في آية الزنا بالنساء فقال: (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ) )؛ لأَنَّ الغالب وجود ذلك في النساء )) [1] . وقد تابع السيوطي سابقه على هذا المعنى معللًا ذلك بقوله: (( لأَنَّ الزنى فيهن اكثر ) ) [2] . أمّا الآلوسي فقد رأى في تقديم الزانية على الزاني دلالة اخرى أوضحها بقوله: (( لأنَّ الزنى في النساء أعرّ وهو لأجل الحبل أُخر، وقيل: لأَنَّ الشهوة في المرأة أَكثر وعليها أَغلب: فصدّرتها تغليظًا لتردع شهوتها. وإيضًا فإِنَّ العار بالنساء ألحق إذ موضوعهن الحجب والصيانة فقدّم ذكرهن تغليضًا واهتمامًا ) ) [3] . وهذا تحذير للزانيات أكثر مما هو للزُناة )) . لأَنهن موضع تعفف فعليهن صيانة تعففهن. ومن مواضع التقديم ما ورد في الذكر الحكيم حين نُبّه الإِنسان على عجزه عن افادة نفسه او دفع الضرر عنها. قال تعالى: (( قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ) )يونس 49.

مما يُلاحظ في الآية المباركة تقديمُ الضر على النفع لبيان عجز الإِنسان. قال الالوسي (( وتقديم الضر؛ لما أَنَّ مساق النظم الكريم لإِظهار العجز، أَمّا ذكرُ النفع فلتعميم اظهار كمال العجز ) ) [4] . مما ذهب اليه الآلوسي يتبين أَنه رأى الآية تدلُّ على عجز الإِنسان الكامل. اما الدكتور السامرائي فقد فَسَّرَ تقديم الضرّ على النفع من متابعة السورة القرآنية المباركة، وهذا ما أوضحه بقوله: (( وقال: (( (( قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ ) ). فقدّم الضر على النفع وقد قال قبل هذه الآية: (( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) )يونس 11. وقال: (( وإِذا مس الإِنسان الضرّ دعانا لجبنه أو قاعدًا أو قائمًا فلما

(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 3/ 191.

(2) الإِتقان في علوم القرآن 2/ 15.

(3) روح المعاني 12/ 160.

(4) روح المعاني 11/ 130، ينظر: التبيان في تفسير القرآن 11/ 447.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت