كشفنا عنه ضرّه مرَّ كأن لم يدعنا الى ضر مسه )) يونس 12، فقدّم الضر على النفع في الايتين ويأتي بعد هذه الآية قوله: (( قل أرأيتم أن أتاكم عذابه بياتًا أو نهارًا ماذا يستعجل منه المجرمون ) )يونس 50 فكان المناسب تقديم الضر على النفع ههنا )) [1] . وإذا كان الإنسان عاجزًا عن دفع المضرّة عن نفسه وهي الأَولى من جلب المصلحة فكيف يمكنه إفادة نفسه؟ فلم يبق له الا ان يحذر من بيده الضر والنفع.
ومن مواضع التحذير في القرآن الكريم التي ورد فيها التقديم والتأخير قولُه تعالى: (( إنَّ اللذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم ام لم تنذرهم لايؤمنون. ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) )البقرة 6 - 7. وقال تعالى: (( أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ) )الجاثية 23.
إذا أنعمت النظر في الآية الأُولى تلاحظ تقديم القلوب على السمع والأَبصار، كما تلاحظ نتيجة الإِنذار واحدة سواء أحصل الإنذار أم لم يحصل وهي لا إِيمان مرجو من المُنْذَرين، اما في الجاثية فلم تلحظ التقديم الذي حصل في البقرة ولم تلحظ النتيجة التي لاحظتها في البقرة، فجاء تقديم القلب في البقرة للدلالة (( على أن صفات الكفر في البقرة أشد تمكنًا فيه، ولذا قدّم القلب على ما سواه؛ لأَنه هو الأَهم فإِنَّ القلب هو محلُ الهدى والضلال، وإِذا خُتِمَ عليه فلا ينفع سمعُ ولا بصر ) ) [2] .
ومن مواضع التحذير التي تُفيد العبرة والموعظة وجاء فيها التقديم والتأخير ليضفي عليها دلالة الترهيب قولُه تعالى: (( وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله فاتهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بايديهم وايدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار ) )الحشر2.
فقد أفاد التقديم تقوية المعنى وأصبح دليلًا على فرط وثوقهم بحصانة حصونهم ومناعتها مما جعلهم يعتقدون بأنهم في عزة ومنعة فلا يستطيع أحد التعرّض اليهم لهذا
(1) التعبير القرآني 57.
(2) المرجع نفسه 62.