ومن تقديم السمع قولُه تعالى: (( وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) )البقرة 137. قال الطوسي: (( السميعُ لأقوالهم، العليم بأعمالهم ) ) [1] . فالبدء بالحاسة المختصة بالقول قبل الأعمال لإِفادة أنه: (( (( خبرُ يتضمن التخويف والتهديد فبدأ بالسمع لتعلّقه بما يقرب كالآصوات، وهمس الحركات، فإِنَّ من سمع حسَّك وخفي صوتك أقرب اليك في العادة ممن يُقال لك: إِنّه يعلم واِن كان علْمُه تعالى متعلّقًا بما ظهر وبطن وواقعًا على ماقرب وشطن، ولكن ذكرُ السمع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أَولى بالتقديم ) ) [2] . فمن يسمع صوتك سواء المُعلن أم المُخفى الآ عليك أن تحذره؟.
ومن الوعيد ما توعّد به الله من لم ينفق في سبيله، قال تعالى: (( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون ) )التوبة 35. وأنت تلاحظ الآية المباركة بدأت بالجُباه فالجنوب ثم الظهور لدلالة أَوضحها الزمخشري بقوله: (( لأَنهم كانوا إِذا أَبصروا الفقير عبسوا، وإِذا ضمّهم وإِياه مجلس زورّوا عنه وتولّوا بأركانهم ولوه ظهورهم ) ) [3] . يُلاحظ مما ذهب اليه الزمخشري أَن التدّرج في الآية المباركة اعتمد التدّرج الذي يفعلُه من خُصِصَ بالوعيد عند ملاقاته الفقراء. أَما القرطبي فقد رأى ما رآه سابقهُ مضيفًا عليه دلالة أخرى إذ أَنَّ تقديم الجباه على الجنوب وهذه على الظهور للدلالة على شدة الأَلم وفرط الهول، وهذا ما يتضح من قوله: (( الكي في الوجه أشهر وأشنع، وفي الجنب والظهر آلم وأوجع؛ فلذلك خصّها بالذكر من بين سائر الأَعضاء. وقال البعضُ: إِنّما خصَّ هذه الاعضاء؛ لأَنَّ الغني إِذا رأى الفقير زوى ما بين عينيه وقبض وجهه، وإذا سأله طوى كشحه وإذا زاد عليه في السؤال وأكثره عليه ولاّه ظهره، فوَتب اللهُ العقوبة على حال المعصية ) ) [4]
(1) التبيان في تفسير القرآن 1/ 219.
(2) بدائع الفوائد 1/ 74، ينظر: البرهان في علوم القرآن 3/ 249.
(3) الكشاف 2/ 268.
(4) الجامع لأحكام القرآن 8/ 129.